الجمعة، 6 يونيو 2014

فضاءات الألوان والمعايرة…

سنتحدث في مقالة هذا الأسبوع عن موضوع يعتبر الشطر الثاني من موضوع الأسبوع الماضي. هذه المقالة تتعلق بما يسمى بـ«فضاءات الألوان» و«مدى الألوان» (أو سلسلة الألوان)، وهما ما يعبر عنهما باللغة الانجليزية بـ (Color Space) و(Gamut) على التوالي. هذان المبدآن لا ينفصلان عن عالم التصوير وخصوصا عند تطور المصور من كونه هاويا، إلى كونه محترفا أو شبه محترف. ذلك لأن هذين المبدأين يلعبان دورا كبيرا في تحديد الألوان ونقاوتها علاوة على ضبطها والربط بين الألوان المرئية على شاشة الحاسوب وتلك المطبوعة على الورق (أو مواد أخرى)؛ من خلال عملية المعايرة التي سنتحدث عنها لاحقا إن شاء الله.

المقصود؟

ما المقصود من «فضاء الألوان»؟ نشأ هذا المجال من العلوم مواكبا عصر التقدم الرقمي والصور الرقمية، حيث دعت الحاجة إلى إيجاد لغة ووسيط للربط بين العالم المنظور للألوان، والتعبير الرقمي لها. من هذا المنطلق تم إيجاد نموذج «رياضي» يربط بين العالم الفيزيائي والرقمي للتعبير عن الألوان وهو ما تمت تسميته بفضاء الألوان.
ومن ناحية أخرى، فإن قابلية ومدى اتساع منظومة أو وسط ما لسلسلة معينة من الألوان تمت تسميته بسلسلة الألوان (للوسط) أو مدى الألوان. في الحقيقة أن بعض الناس قد يخلط بين المبدأين وقد يستخدم المصطلحين بشكل عكسي (حتى عند الناطقين باللغة الانجليزية وغيرها)، وهذا بطبيعة الحال خطأ. ذلك لأن مصطلح فضاء الألوان يطلق على نظام رياضي يكون بمثابة خارطة طريق لترجمة الألوان (والتي تكون بمثابة أرقام على الحاسوب) إلى نظام مرئي. من جانب آخر، فإن سلسلة الألوان هو تعبير يطلق على مدى ما يحتويه الوسط من الألوان أو مدى ما يمكن احتواؤه في الوسط من ألوان (بالمقارنة مع الفضاء الذي يتم التعامل به). وهكذا نرى بأنه من الممكن القول بأن فضاء الألوان هو تعبير كلي ونظام ثابت لا يتغير (لا يتغير بالمعنى اللحظي كما سنرى) ولكن سلسلة الألوان من الممكن أن تتغير داخل الفضاء بتغير الوسط المستخدم للتعبير عن هذه الألوان (شاشة، ورق، معدن… الخ).

فضاءات الألوان

عندما نتحدث عن فضاءات الألوان فإننا بالغالب نعني تلك النماذج الرياضية التي تم تطويرها لترجمة الألوان تحت نظام الـ (ح.خ.ز)، أي الأحمر والأخضر والأزرق (RGB). هذا لا يعني إنه لا يوجد نماذج أو فضاءات قد اُبتكرت للأنظمة الأخرى للتعبير عن الألوان ولكن أكثرها شيوعا اليوم وأكثرها ملائمة للعمل هي تلك النماذج المندرجة تحت نظام (ح.خ.ز). هناك العديد من الفضاءات التي تم وضعها للعمل ولكن هناك ثلاثة تستحق الذكر حيث أنها الأكثر شيوعاً في شتى مجالات الأعمال (الفنية منها بالأخص):
1. ح.خ.ز مبدئي (Standard RGB, sRGB): وهو من أوائل الفضاءات الموضوعة وتم ابتكاره بالتعاون بين شركتي مايكروسوفت وHP وهو مناسب جدا للعرض على شاشات الكاثود القديمة (CRT). حاليا يعتبر من الفضاءات الصغيرة الحجم نسبيا.

2. أدوبي 1998 (Adobe 1998): وهو فضاء أكبر حجما من سابقه ويحتوي على مجال أكبر للتعبير عن الألوان.

3. بروفوتو (ProPhoto): وهو أكبر فضاء وُجد حتى الآن وهو من ابتكار شركة كوداك. يعتبر هذا الفضاء من الفساحة بحيث أنه يستطيع التعبير عن ألوان لا تميزها العين البشرية، بل ولا يمكن عرضها (نظريا) على الشاشات والمطبوعات. لهذا السبب فإنه من الأفضل العمل تحت نظام 16-بت عند العمل في هذا الفضاء للاستفادة من أكبر قدر ممكن من معلومات الألوان.

مقارنة بين الفضاءات الثلاث المذكورة أعلاه، وهي من اليمين إلى اليسار: مبدئي، أدوبي 1998، بروفوتو.
لاحظ المساحة داخل المثلث، وهي التي تعيّن الفضاء نفسه، وكيف أن المساحة تكبر من اليمين إلى اليسار.

بالإضافة إلى هذه الفضاءات الثلاث، فإن هناك فضاء جدير بالذكر وهو الـ «وايدغاموت» (Wide-Gamut)، وهو فضاء من ابتكار شركة أدوبي كذلك. هذا الفضاء أكبر من فضاء «أدوبي 1998» ولكنه أصغر من فضاء بروفوتو. لسبب لا أعرفه حقيقةً، فإن أكبر فضاء يمكن استخدامه مع برامج الكانون (أي تلك الملحقة مع الكاميرا) هو الوايدغاموت، ولا يمكن استخدام فضاء البروفوتو.
إن الفضاءات رقمي 1و2 متواجدان في الكاميرا ويتم إدراج معلومات هذه الفضاءات مع الصور عند التقاطها، على أن للمصور الحرية في تغيير هذا الفضاء لاحقا، وسيكون من الأفضل التغيير عند العمل بالسالب الرقمي، حيث أن كم المعلومات المتوفر لتحويل الألوان يساعد على تحسين الصورة، وكذلك أن المخطط الضوئي للصورة يتأثر جذريا بتغيير الفضاء؛ كلما كان الفضاء أوسع، اتسع المخطط الضوئي وبذلك يمكن الحصول على معلومات أكثر من مناطق السواطع والظلال.

اختيار فضاء الألوان كما يظهر في قوائم كاميرا كانون إيوس 7د.
جدير بالذكر بأن ملفات الصور الملتقطة بالفضاء المبدئي تبدأ عادة بـ (IMG)، بينما تلك الملتقطة بفضاء الأدوبي ستبدأ بـ (MG_).


تغير المخطط الضوئي مع تغيير الفضاء عند العمل مع السالب الرقمي.
لاحظ كيف ينضغط المخطط إلى المنتصف تقريبا مع تغيير الفضاء من الأصغر إلى الأكبر (من اليمين إلى اليسار).
لم يتم اجراء أي تعديل على الصورة سوى تغيير الفضاء اللوني.

هناك رأيان من الخبراء المختصين بأمور الطباعة. يقول الأول إنه يفضل العمل بالفضاء المبدئي عند تحسين الصورة، بل وعند التقاطها كذلك، وهذا لتفادي أية مشكلة قد تحصل عند الطباعة؛ لأن الفضاء المبدئي قديم نسبيا ويمكن تجسيد ألوانه على معظم الشاشات والطابعات. يقول الرأي الثاني بأنه من الأفضل العمل بأكبر فضاء ممكن وأرشفة الصورة بهذا الفضاء ومن ثم استخلاص صور أخرى بفضاءات أصغر للطباعة وللأمور الأخرى. أنا شخصيا أعمل بالنصيحة الثانية، وهذا لا يعني بالضرورة أن النصيحة الأولى خاطئة، ولكن كل ما في الأمر هو أن أصحاب الرأي الأول حذرون للغاية وحريصون على أن ما يُشاهد على الشاشة هو ما سيُطبع. من ناحية أخرى، إن التطور التقني السريع في وقتنا الحالي قد عمل على رفع مستوى الأداء للكثير من الأجهزة، منها الشاشات والطابعات. بل إن في الوقت الحالي يوجد بعض الطابعات المكتبية من طراز فوتوسمارت (HP PhotoSmart) تتوفر لديها إمكانات تمثيل ألوان فضاء الأدوبي 1998 عند الطباعة – بشرط معايرة الشاشة بشكل صحيح حتى تكون الألوان متماثلة بين الاثنين. لهذا، لعله من الأنسب في الوقت الحالي أن يتم اعتبار فضاء الأدوبي 1998 هو الفضاء المبدئي للمصور وذلك لكونه شائعا في الوقت الحالي أكثر مما كان عليه في السنوات الخمس الماضية

برنامج التحكم بالطابعة فوتوسمارت ج4700، ويلاحظ أن هناك اختيار مخصص لتغيير الفضاء إلى الأدوبي 1998.
 

لربما قد واجهت بعض المصورين بعض المشاكل في عرض الصور، لا سيما على الشبكة، من حيث عرض الألوان. حيث يفاجأ المصور بأن الألوان التي حفظ الصورة بها ليست كما هي عند رفع الصورة على الشبكة في بعض المواقع أو حتى عند نقل الصورة من حاسوب إلى آخر للعرض. إن إحدى أسباب هذه المشكلة هو اختلاف الفضاء بين الصورة وبين مما يمكن عرضه على الشبكة أو الحاسوب الآخر (وهناك مشاكل أخرى لها علاقة بالمعايرة). لقد واجهتني هذه المشكلة كثيرا في بداياتي مع التصوير فيما مضى، حيث تكون الألوان براقة كما تظهر على الشاشة، ولكنها تكون مصمتة وخالية من الحياة عند الرفع. بعد بحث مضنٍ، تعرفت إلى السبب. وهو ببساطة، إنني كنت كثير العمل في فضاء البروفوتو (وهو أكبرها) وكنت أعمل في نطاق 8-بت كذلك. عند حفظ الصورة ورفعها على بعض المواقع، فإن هذه المواقع لم تكن لتتعرف على الفضاء المسجل مع الصورة وهكذا فإنها تردها لأصغر فضاء ممكن، وهو المبدئي، فتبدو الألوان باهتة بعض الشيء وغير حيوية. في الوقت الحالي، يعتبر فضاء الأدوبي 1998 شائعا بين المواقع ولهذا فرفع الصور المسجلة بهذا الفضاء أمر آمن.
السبب في أفضلية العمل في فضاء البروفوتو هو:

1. مناسب للأرشفة لأنه أكبر فضاء للألوان موجود حاليا. مع التقدم التقني في شتى مجالات العرض والطباعة، قد نرى هذا الفضاء حقيقة واقعة أمامنا أكثر من كونها نظرية.

2. بالعمل مع السالب الرقمي في هذا الفضاء فإن هذا أقصى مدى من المعلومات يمكن الحصول عليه من بيانات الصورة في السالب الرقمي.

3. حيوية الألوان التي يوفرها هذا الفضاء.

بين هذه الفضاءات وطرق العرض سأتطرق لاحقا إلى كيفية التحويل بين الفضاءات باستخدام برنامج الفوتوشوب.

المعايرة

من أهم الأمور التي على المصور تناولها، لا سيما إذا كان بصدد طبع ونشر صوره، بالأخص في المعارض، هو موضوع المعايرة. المعايرة هنا هي عملية موازنة الألوان في وسط ما بحسب قيم مدروسة ومسجلة مسبقا تكون بمثابة المعيار الأمثل للألوان. عملية المعايرة تتكون من أكثر من شق، فمنها ما هو متعلق بالشاشة، ومنها ما هو متعلق بالطابعة والوسط المطبوع عليه، وهناك ما هو مختص بالكاميرا كذلك، بل وحتى جهاز الماسح الضوئي إذا تطلب الأمر ذلك. على كل، إن أول خطوة يخطوها المصور نحو أسلوب عمل سليم، هو البدء بمعايرة الشاشة وذلك لأن جُل عمله لتحسين الصورة يكون هناك. أما بالنسبة للكاميرا، فإن معايرة ألوانها (أو بشكل أدق: حفظ بياناتها على الحاسوب) فهو أمر نسبي قد لا يهم المصور كثيرا إلا إذا كان المصور يرغب في تحقيق صورة متماثلة في ألوانها قدر المستطاع مع الواقع (عند التقاط الصورة). على كل، فهذا أمر فني بحت وأنا شخصيا لا التفت إليه ولكن لا ضير إن ذكرنا لمحة عنه لاحقا.

إحدى مخططات المعايرة
المصدر


قديما، كانت الشاشة تعاير باستخدام بعض الصور والمؤشرات والمخططات الخاصة بهذا الغرض، عن طريق عرض هذه الصور، وعلى المستخدم أن يضبط إضاءة وتباين وتشبع الألوان (عن طريق أجهزة التحكم بالشاشة) حتى تظهر هذه المخططات بالشكل السليم على الشاشة (بالطبع تكون التعليمات ملحقة بهذه المخططات). على أنه في الوقت الحالي، وبالأخص مع انتشار شاشات الكريستال (أو البلور) السائل (LCD) والصمامات الضوئية (LED)، استدعت الحاجة إلى معايرة أدق وأيسر نسبيا من تلك الطريقة الكلاسيكية. لهذا فقد تمت صناعة بعض الأجهزة المخصصة لمعايرة الشاشة (لوحدها أو مع أوساط أخرى) حيث تجعل العملية آلية وميسورة. تتراوح الأسعار لهذه الأجهزة، فمنها المعقد المخصص لمعايرة الشاشات وأمور أخرى، وهي بطبيعة الحال أغلى سعرا، ومنها ما هو مخصص لمعايرة الشاشات فقط وهي أرخص نسبيا وبسيطة الاستخدام. تقوم هذه الأجهزة (بمعاونة البرنامج المصاحب) بقياس الإضاءة المنبثقة من الشاشة وقراءة اللون وتتم المقارنة بين قيمة اللون المسجلة وما تمت قراءته من الشاشة، وفي النهاية تسجل كل هذه البيانات بالاختلافات بين القراءتين لشتى الألوان وصنع ملف يحوي سلسلة الألوان الخاصة بالشاشة (سأدعوه «ملف تشخيصي» وهو ما يدعى Profile بالانجليزية). يخزن هذا الملف ويتم استدعاؤه عند تشغيل الحاسوب وبهذا تنضبط الألوان في كل مرة يتم فيها تشغيل الحاسوب. يقوم البرنامج كذلك بإتاحة الفرصة للمستخدم للتنبيه على المعايرة مرة أخرى بعد فترة من الزمن إذا أراد المستخدم ذلك، وهذا ضروري لأن الإلكترونيات المستخدمة في الشاشات الحديثة قد تمر باختلافات معينة بسبب الحرارة والأحوال الأخرى المحيطة بها، ومنها من الممكن أن تتغير درجات الألوان تدريجيا. لذلك، فمن الأفضل دائما الحرص على معايرة الشاشة بشكل دوري.

جهازان للمعايرة والاثنان من انتاج شركة أكس-رايت (X-Rite).
المُعاير على اليمين يمكنه معايرة الشاشة والمطبوعات والمسلاط (أو Projector)، أما الأيسر فهو مُعاير بسيط للشاشة فقط.


بعض أنواع الإضاءات مع حرارة الألوان الخاصة بها
المصدر
في المعايرة المعقدة نسبيا، يضاف عامل الإضاءة المحيطة بالشاشة في عملية المعايرة؛ وهذا لتحديد مقدار الإضاءة المناسبة للعمل بالشاشة تحت هذه البيئة علاوة على تكييف الصور التي تظهر على الشاشة مع حرارة اللون للإضاءة المحيطة (Color Temperature). هذا النوع، من البرامج المخصصة للمعايرة، مفيد جدا لدراسة الصور تحت إضاءة معينة قبل القيام بالطباعة – وهذا مفيد جدا عند التخطيط لعرض الصور في معرض ما، لكن يتطلب الأمر معرفة بنوع الإضاءة المستخدمة في المكان الذي ستُعرض فيه الصور. على كل، يكفينا في الوقت الحالي إنجاز أول عمل مهم في مسيرة العمل نحو تحسين الصورة، وهو معايرة الشاشة بالشكل الصحيح.

أما الشق الثاني، وهو معايرة الطباعة، فالأمر ليس ذو مغزى كبير إلا إذا كان المستخدم يمتلك إحدى تلك الطابعات الكبيرة الحجم والتي تستخدم للمطبوعات الكبيرة مثلاً. ذلك لأن الطابعات المكتبية، وحتى تلك منها التي تكون مخصصة لطباعة الصور الفنية (حتى حجم A3) تكون بشكل أو بآخر متلائمة مع بيئة العمل على الحاسوب، وبالأخص إذا تمت الطباعة على أنواع معينة من الورق قد تم تسجيل بياناتها ووصفها في البرنامج المتحكم بالطابعة.
أنا شخصيا، لا أقوم بالطباعة المنزلية كثيرا، وفي الغالب تكون المطبوعات بحجم أكبر مما يمكن لطابعتي الشخصية توفيره. علاوة على أن المطبوعات تكون على ألياف من القماش (Canvas) كتلك المستخدمة في الرسم (الزيتي وغيره). من المفترض أن يوفر المحل القائم على الطباعة الملف الخاص ببيانات الطابعة والورق (والحبر) حتى يتسنى للزبون استخدام هذا الملف التشخيصي لمعاينة صوره على شاشة الحاسوب قبل الطباعة، لمعرفة ما إذا كانت هناك أية ألوان في الصورة نفسها قد تكون خارج سلسلة ألوان الطابعة (والورق والحبر) وإصلاح الأمر إذا أمكن قبل الطباعة. كل هذه الأمور غير متوفرة حاليا حيث أعيش، ومع ذلك تتم الطباعة على القماش بشكل ميسور نسبيا مع ألوان متفقة في الغالب مع ما يمكن رؤيته على الشاشة. قرأت مسبقا في إحدى المقالات (ولم يتسنى لي التأكد من المعلومة) بأن الطابعات الكبيرة الحديثة تستخدم نوعا من المعايرة الداخلية لمعرفة نوع الوسط الذي سيُطبع عليه مع مداه اللوني ومنها يتم «تحويل» السلسلة اللونية للصورة إلى ما يقاربها في الوسط المطبوع عليه. أي أن العملية تشابه الترجمة إلى حد ما. وعليه، فإن النقطة الأساسية ترجع إلى معايرة الشاشة بالمقام الأول لضمان جودة الألوان وأن ما يُرى على الشاشة هو ما سيُطبع لاحقاً.

مقطع فيديو لمعايرة من النوع البسيط
(أي بدون أخذ عوامل الإضاءة المحيطة بالاعتبار)
لجهاز حاسوب محمول (لابتوب).
نقاوة المقطع منخفضة طبعا ولهذا فإن الألوان لا تظهر بشكل واضح.
 
على أن بعض المصورين يفضلون معايرة طابعاتهم الخاصة بأنفسهم (بل وتأطير مطبوعاتهم بأنفسهم كذلك) والعملية تقريبا كما هي الحالة مع الشاشة ولكن مع طباعة مخطط خاص للألوان، ومن ثم تسيير جهاز المعايرة عليه لقراءة الألوان وصنع ملف ببيانات هذه الألوان على الحاسوب. يُخزن هذا الملف التشخيصي على الحاسوب ومن الممكن استدعاؤه على برنامج الفوتوشوب لمعاينة الصورة في ظل سلسلة الألوان التي تم صنع ملف المعايرة من أجلها.
جدير بالذكر كذلك بأن معايرة ألوان المطبوعات هو في الحقيقة معايرة لثلاث عوامل مع بعضها البعض: الحبر، الورق (أو الوسط) والطابعة. لو تغير أي عامل من هذه فإن الأمر يستلزم المعايرة لمرة أخرى. أي، على سبيل المثال، لو أن طبيعة الوسط تغيرت (فرضاً من قماش إلى ورق لامع Glossy)، فإن ذلك يستلزم معايرة جديدة. لو أن نوع الحبر قد تغير (هناك طابعات تتقبل أنواع مختلفة من علامات تجارية أخرى)‘ فإن ذلك، أيضا، يستلزم المعايرة لمرة أخرى، وهكذا. على أية حال، فإن هذا النوع من المعايرة لن يكون بالإمكان القيام به إلا إذا كانت الطابعة شخصية في الغالب (لأن برنامج المعايرة على الحاسوب يتطلب التحكم بالطابعة)، ولذلك لا يمكن المعايرة عن بعد.

صور مطبوعة (وسط) مع صور رقمية (أعلى يسار وأسفل يمين). لاحظ تقارب الألوان. الاختلاف بسيط نتيجة تغير الإضاءة عند التقاط الصورة للمطبوعات وكذلك لأن المطبوعات قد تم رشها بمادة حافظة وملمعة لتظهر الألوان بشكل حيوي أكثر.

أما معايرة الكاميرا، فهو كما أسلفنا أمر فني بحت. يَعنى هذا النوع من المعايرة بتقديم الألوان بالصورة بالشكل الصحيح قدر المستطاع وأقرب ما يكون للواقع، ولكن هذا الأمر من السهل تجاهله إذا ما كان المصور يبحث عن تقديم «فن» وليس ما هو حقيقي. على أن العملية قد تكون مطلوبة أحيانا لغرض ما. تتم معايرة الكاميرا عن طريق تصوير مخطط خاص يحتوي على ألوان معينة (تمثل هذه الألوان مختلف أنواع البشرة الآدمية والألوان الأساسية)، وتكون هذه الألوان معلومة القيمة الرقمية (بنظام ح.خ.ز). يجب التصوير بالسالب الرقمي هنا. عند فتح الصورة بمعدِّل السالب الرقمي (مثل Adobe Camera Raw, ACR)، يتم قراءة كل لون وتعديل الخيارات المتاحة (مثل التباين والتشبع) حتى تكون قيمة الألوان المقروءة في البرنامج أقرب ما يكون للقيم الرقمية المعينة بالمخطط. عند الانتهاء، يتم حفظ ملف التشخيص (أي Profile) تحت اسم معين، ويتم استدعاؤه عند العمل مع صور أخرى.

بطاقتا معايرة يمكن استخدامهما لمعايرة الكاميرا
 
مقطع من برنامج معدل السالب الرقمي Adobe Camera Raw مع صورة بالسالب الرقمي لبطاقة المعايرة. يتم اختيار مناطق الألوان بأداة القطارة (رابع أداة من اليسار في الشريط العلوي). عند اختيار كل منطقة من مناطق الألوان، تظهر معها قيمة الـ (ح.خ.ز.) كما هو مبين في الشريط الأخضر العلوي. يتم تعديل الصورة باستخدام الادوات والخيارات المختلفة الموسومة باللون الأحمر، مع محاولة مقاربة قيم الألوان الرقمية إلى تلك القيم المسجلة على البطاقة. عند الانتهاء يتم حفظ الملف الخاص بهذه المعايرة (من الخيارات الموجودة تحت الدائرة الزرقاء).
يُشبّه بعض المصورين عملية معايرة الكاميرا بأنها مجرد اختصار للوقت للعمل مع الصور مستقبلا، ولا فائدة فنية كبيرة تذكر منها، لأنه في الغالب سيتعامل المصور مع إحساسه الخاص في كيفية إظهار الصورة للعامة.

تحويل وتعيين

عند العمل مع فضاءات الألوان، وبالأخص في برنامج مثل الفوتوشوب، فإنني كما قلت سابقا، أفضل العمل بفضاء البروفوتو لأنه أكبرها، ومنها استخلص صور أخرى بفضاءات أصغر للعرض (أو الطباعة). للتحويل بين فضاء وآخر، يتوفر هناك أمران في هذا البرنامج:
1. تحويل (Convert): وهو يحول (أو يترجم) الألوان من فضاء إلى آخر مع أقل خسارة ممكنة في طبيعة اللون (النظرية). بينما القيم الرقمية للألوان ستتغير للمحافظة على المنظر العام قدر المستطاع خصوصا عند التحويل من فضاء كبير إلى آخر أصغر منه.

2. تعيين (Assign): وهذا الأمر نادر الاستخدام بالنسبة لي، وهو يقوم بتعيين الفضاء مباشرة مع الصورة، وبذلك سنلاحظ تغيرا في الألوان على الشاشة. إن هذا الأمر يغير الفضاء بغض النظر عن القيم الرقمية للألوان.

إن الأمر الأول هو المعني بالعمل أكثر من الآخر. الأمران يمكن الوصول إليهما في قائمة (Edit) في برنامج الفوتوشوب. أسلوب عملي يتطلب عادةً العمل بفضاء كبير كما أسلفت. بعد حفظ الملف بصيغة تيف 16-بت في هذا الفضاء الكبير، فإنني أحول الفضاء إلى الأصغر (عادة الأدوبي 1998) وتحويل الصورة إلى نظام 8-بت، ثم حفظها بصيغ الـج.ب.ج. يجب التنويه على أن أمر «تحويل» سوف يضغط الطبقات ويجعل الصورة من طبقة واحدة إلا إذا عيّن المستخدم إنه لا يريد ذلك.
يحتوي أمر التحويل كذلك على بعض الخيارات التي تتعلق بخوارزمية التحويل. لا داعي لشرحها مفصلا ولكن من الأنسب ضبط هذا الخيار على (Perceptual) أو (Relative Colometric) تحت نظام (Adobe ACE). وهو الخيار الذي يكون مضبوطا بشكل تلقائي عادةً.

صندوق خيارات التحويل في برنامج الفوتوشوب. يشير السهم الأزرق إلى خيار ضغط الطبقات لجعل الصورة من طبقة واحدة بعد التحويل.
 
عملية «تحويل» الفضاء من بروفوتو (يمين) إلى أدوبي 1998 (يسار). لاحظ أن الألوان لم تتغير سوى بشكل بسيط عند بعض التفاصيل (السهم الأخضر)
اجراء عملية «تعيين» على نفس الصورة السابقة. لاحظ تغير درجات الالوان بشكل أكبر خصوصا درجات اللون القرمزي عند الأطراف ودرجات اللون الأصفر في مركز الزهرة. الصورة اليمنى هي لفضاء أدوبي 1998، واليسرى لفضاء بروفوتو. لاحظ تشبع الألوان في فضاء البروفوتو.

الخاتمة

أرجو أن أكون قد أفدت عزيزي القارئ بهذا الموجز عن أمور الفضاءات المختلفة، والمعايرة، والطباعة. هذه الأمور تتطلب قراءة الكتب المختصة أكثر لتحصيل أكبر قدر ممكن من المعلومات. على أن هذا الموجز هو المختصر فيما يختص بعملي الشخصي وليس الأمر قانونا يُعتد به. يتطلب الأمر العمل المتواصل حتى يصل المصور إلى أسلوبه الخاص في ترتيب عمله ومعرفة ما يفضله من أساليب العمل، فهذه الخلاصة هنا هي نتيجة التجربة والخطأ والتي استغرقت بضع سنين؛ ولن أبالغ إن قلت إنه لا يزال لدي الكثير لتعلمه في هذا المجال.
إلى الملتقى في الأسبوع القادم إن شاء الله…

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق