الجمعة، 4 يوليو 2014

في التصوير المعماري…

سأحاول في هذه المقالة سرد بعض الأمور المتعلقة بالتصوير المعماري، مع العلم إن موضوعا كهذا يتعلق بإحدى مجالات التصوير الأساسية – سيكون موضوعا طويلا ولن تكفي مقالة واحدة لسرد فحواه بالشكل المطلوب. ولكن من الممكن المضي على مضض على أبرز العناوين الرئيسية في هذا المجال من التصوير، والأجدر بالمصور المهتم أن يحوز بعض الكتب المتعلقة بهذا المجال والتي يكون الشرح فيها مطولا وجزيلا عن شتى أركان هذا المجال.

بين التوثيق والفن

يعتبر التصوير المعماري خليطا من مبدأين أساسيين، هما: التوثيق والفن. فهو مجال يكون الغرض منه التوثيق لأغراض عدة، أبرزها إظهار المعالم المميزة لشكل معماري ما، وفي الآن نفسه يجب أن يكون هذا التوثيق محتويا على عناصر الجمال المطلوبة كما هو الحال في أي نوع من أنواع الفنون، وذلك لترغيب المشاهد بالنظر والتأمل؛ ولو كانت عملية التصوير لأغراض تجارية كبيع وشراء العقارات فإن الأمور الفنية ستكون شديدة الأهمية بلا شك، لأن الفن هنا هو اللاعب الأساسي في عملية الدعاية ونشر الجمال المعماري مع التوثيق. ولكن علينا التأكيد هنا في هذا المقام، بأن عناصر الجذب البصري ليست حكرا على العمارة الجديدة أو المتألقة أو الحديثة، بل إن حتى العمارة المتهالكة والقديمة يجب أن تكون هدفا للمصور المعماري، وإن كان ليس لإبراز جمال ما، بل لإبراز فكرة أو فلفسفة معينة

Poltergeist (الشبح الضاج)
بالرغم من تهالك المكان فقد حازت هذه الصورة على إعجاب الكثيرين (مع بعض التحفظ على بعض الأخطاء). يكمن السر في الأبعاد الغير حقيقية وتلاعب الضوء والظل مما يخلق روحا ومزاجا معينا للمكان، وإن كانت هذه الروح تنم عن وحشة في النفس؛ فالأمر أولا وآخرا هو عملية تبادل للمشاعر وليس بالضرورة أن تكون هذه المشاعر مما يمكن وصمه بـ «مشاعر جميلة».
عدسة روكينون 8مم عين سمكة، ب/16(؟)، نطاق عالي، ح100.
الموقع: جزيرة فيلكا، الكويت.
 

معماري، ومصور معماري

الاختلاف بين الاثنين قد يكون غير واضح للوهلة الأولى، ولكنه يتعدى حدود الدراسة ومواد البناء وما إلى ذلك. فالأمر يختلف في الأساس في وجهة النظر وطريقة النظر (إلى الموضوع المعماري). فالمعماري يواجه تساؤلات محددة في عملية التصميم: التصميم العملي، الواجهة (مثلا)، التكلفة، وما إلى ذلك من الأمور العملية والجمالية التي توضع أغلبها على الورق وفي التصاميم.
أما المصور المعماري، فهو يحاول أن يكمل ما افتقده المعماري ذاته من التفاصيل والجماليات. علاوة على تحمله عبء التوثيق والتقديم للمشاهد بأجمل صورة ممكنة، ولذا فإن البحث عن زوايا للمشاهدة غير مألوفة لالتقاط الصورة، هو شيء مألوف! هذه الزوايا الغير مألوفة قد لا يلحظها المعماري بسهولة أثناء عمله، فتركيزه يتوزع في شتى الأمور العملية الخاصة بالموضوع، وهنا يأتي دور المصور المعماري في اكتشاف هذه الزوايا التي لا تظهر على الورق والتصميمات، لا سيما إذا تضمنت الصور الملتقطة، الموضوع مع البيئة المحيطة به (بشر أو طبيعة غير متحركة)؛ فهذه الأمور لا توضع على الورق ولها انطباعها الخاص في ذهن المشاهد، فهي قد توحي بالهدوء، أو بالانشغال، أو بالعملية، أو حتى بالرفاهية – فالبيئة المحيطة بالموضوع من الأمور المساعدة على الإيحاء بطبيعة الموضوع.

العدسات

في التصوير المعماري يكون الأمر عادة شتان بين اثنين: مسافة قريبة من الموضوع، أو مسافة بعيدة عنه. لذلك، فإن العدسات الغالبة على هذا النوع من التصوير هي العدسات ذوات البعد البؤري القصير (أقل من 50مم) وتلك ذوات البعد البؤري الطويل (أكبر من 50مم)، ويكون من الجيد كذلك لو أن بعض هذه العدسات ليست بالثابتة، بل ذات مدىً متغير وهذا لتسهيل عملية الحصول على الزاوية والبعد المناسبين. هذا لأن العمل في التصوير المعماري لا يعطي الكثير من المرونة لأن الأجسام ثابتة أصلا والبيئة المحيطة في الغالب ثابتة كذلك، مما يجعل تأطير الموضوع والحصول على الزاوية المرغوبة أمرا ليس بالسهل (أحيانا). هذا لا يعني إنه لا يمكن استخدام العدسات الثابتة، ولكن مع هذه العدسات قد يضطر المصور للتحرك لتأطير الموضوع بالشكل المناسب، والحركة المرنة في محيط العمل ليس بالشيء السهل دائما.

عدسة كانون 18-55مم عند 37مم، ب/11، 1/25ث، ح100.
لالتقاط هذه الصورة أضطررت إلى الحركة كثيرا، ومع محاولاتي العدة لاتقاط هذه الصورة بعدسة 50مم الثابتة، إلّا أن محاولاتي باءت بالفشل. أضطررت بعد ذلك إلى استخدام عدسة 18-55مم وتأطير الموضوع من موقع ثابت مرتفع قليلا. فلولا إمكانية تغيير البعد البؤري لما أمكن التقاط هذه الصورة بالهيئة التي أردتها.

 
تستخدم العدسات ذوات البعد البؤري القصير لمجال رؤيتها الواسع، مما يجعلها مفيدة عند التصوير بالقرب من الموضوع (وبالأخص للعمارة الداخلية). على أن هذه العدسات قد تسبب بعض المشاكل في الصورة (كما أسلفنا في المقالات السابقة) ولكن ليست كل هذه المشاكل بالشيء السيئ عموما؛ فأحيانا يمكن للتشوه في الصورة أن يعطي انطباعا بالرحابة وكذلك يوفر منظورا يكون غائبا عن العين البشرية.

التقطت هذه الصورة باستخدام عدسة 15مم عين سمكة، وهذا لاحتواء أجزاء الأثاث والنافذة.
بالرغم من التشوه الذي يشوب صور عدسات عين السمكة عادة إلا أن الصور الداخلية تنتفع من هذه التشوهات لتبيان الرحابة في المكان.
قد تكون مشكلة هذه الصورة هي عدم التقاطها بزاوية منخفضة قليلا.

أما بالنسبة للعدسات ذوات المدى الطويل (الأكبر من 50مم) فيمكن استخدامها للمسافات البعيدة حيث لا يمكن الوصول إلى الموضوع بسهولة. تتميز هذه العدسات بشكل عام بمجال رؤيتها الضيق (أقل من أفق العين البشرية بشكل عام) وكذلك بضغط المسافات، حيث تبدو الأجسام المتباعدة أساسا كأنها متقاربة. لا تنفع هذه العدسات غالبا في التصوير الداخلي ولكن هذا لا يمنع استخدامها في مواقف ولأهداف محددة، مثل تبيان عناصر أو زخارف معينة من الديكور وما إلى ذلك؛ فالأمر هنا رهن خيال المصور.


عدسة كانون 55-200مم عند 135مم، ب/5,6، 1/80ث، ح400.
التقطت هذه الصورة لقلعة كاهر من نافذة غرفتي في الفندق المواجه للقلعة. لاحظ انضغاط المسافات بين الأبراج حتى تبدو كأنها متلاصقة، وفي الحقيقة فهي متباعدة عدة أمتار.
الموقع: كاهر، مقاطعة تيبيراري، ايرلندا.

بالإضافة إلى العدسات، هناك أيضا إمكانية دمج أكثر من صورة لصنع صورة واحدة، وتسمى هذه الطريقة أو هذا النوع من الصور بـ «المشاهد المُستَعرَضَة» (Panorama). يفضل في هذا النوع من الصور استخدام العدسات الواسعة (ذوات البعد البؤري القصير) للحصول على أكبر قدر من المساحة حول الموضوع، ولكن هذا لا يعني عدم استخدام العدسات ذوات المدى الطويل كذلك.

هذه الصورة هي عبارة عن مشهد مستعرض مركب من صورتين. كِلتا الصورتين التقطتا عند 200مم من البعد البؤري من فوق التل المقابل.
الموقع: دير هور من فوق صخرة كاشل، مقاطعة تيبيراري، ايرلندا.

مُلحقات

قد تُعتبر الملحقات أمرا ثانويا في معظم الأحيان، ولكنها بلا شك تزيد من فرص الإبداع لدى المصور. والحقيقة تقال، بأن التصوير بشكل عام قد يكون باهتا معظم الأحيان لولا هذه الملحقات؛ و«باهتا» هنا تأتي بمعنى الرتابة. سوف أحاول هنا سرد بعض هذه الملحقات ولكن هذا السرد لن يكون منتهى الأمر؛ فقضية استخدام الملحقات (وابتداع بعضها كذلك) هو أمر يتميز به المصورون أحيانا دون غيرهم وليس هناك أي سرد قد يشمل كل هذا الكم من المعلومات.
أ- الحامل
قد يعتبر الحامل أمرا ثانويا في التصوير المعماري للوهلة الأولى، ولكنه من المؤكد يكون شيئا أساسيا لو تقرر العمل ليلا، أو حتى في تصوير العمارة الداخلية نهارا. ذلك لأن مستويات الإضاءة في هاتين الحالتين منخفض وبالتالي لزم التعريض الطويل بعض الشيء، والذي وإن كان لأجزاء من الثانية، فإنه لن يكون بالسرعة الكافية لطغيان سرعة اهتزاز اليد عليها. ولا ننسى كذلك استخدام بعض الملحقات الأخرى (كما سنرى) والتي تتطلب زيادة في مدة التعريض.  
نموذج لحامل أحادي.
المصدر
أحيانا، ولأسباب عدة، قد يكون استخدام الحامل الثلاثي الأرجل ممنوعا أو صعبا في موضع ما. هنا يكمن الحل في أحد أمرين: إما استخدام الحامل الأحادي (إذا أمكن)، أو رفع حساسية المستشعر (لجعل عملية التعريض أسرع). والأخير يجب أن يكون الملاذ الأخير بعد نفاد الحيل!

ب- القبعة
وهي القبعة التي تُثبت على مقدمة العدسة وقد ذكرتها في مقالات سابقة. تقوم هذه القبعة على تغطية جوانب العدسة لمنع ما يسمى بـ «الأشعة التائهة» والتي تسبب ظهور التوهج في الصورة مع انعكاسات لشكل فتحة العدسة، وهذا بالطبع يتسبب في تقليل نقاوة الصورة. قد يكون إحدى الحلول المناسبة في حال عدم توفر القبعة للعدسة – الانتظار لتصوير الموضوع في وقت مختلف من اليوم حين تكون الشمس في موضع مختلف.

ج- جهاز التحكم
تتوفر أجهزة التحكم بنمطين، هما: السلكي واللاسلكي. يفضل عند العمل خارجا استخدام النظام السلكي ولو كان محدود المسافة. يمكن لأجهزة التحكم اللاسلكية العمل من مسافة تقارب الخمسة أمتار أحيانا، إلا أن وظيفتها لن تكون بالشكل المطلوب تحت أشعة الشمس. علاوة على ذلك، فإن أجهزة التحكم السلكية من الممكن أن تتوفر فيها خصائص أخرى كبرمجة الوقت المطلوب أو التقاط عدة صور على فترات زمنية محددة*.
قد يكون جهاز التحكم ليس ضروريا ولكنه، مع الحامل، يوفران الاستخدام الأمثل للكاميرا في البيئة المنخفضة الإضاءة، علاوة على إمكانية استخدام المرشحات المانعة للضوء نهارا لإطالة التعريض عمداً. يفضل البعض كذلك استخدام جهاز التحكم في شتى عمليات التصوير حتى لا يتم مس جسم الكاميرا بتاتا بعد تأطير الصورة لتفادي أي حركة أو اهتزاز غير مرغوب فيه (مع التوقيت).
*تسمى عملية التقاط الصور في فترات زمنية محددة ودمجها في مقطع متحرك بـ «التصوير السريع» أحيانا، حيث يتم تصوير عملية نمو النباتات مثلا، أو عملية شروق وغروب الشمس، فيظهر الأمر كأنه يحدث سريعا أمام المشاهد. أنا برأيي الخاص أرى بأن هذه التسمية غير مناسبة. ذلك لأن التصوير السريع هو التصوير الذي تلتقط الصورة فيه بسرعة عالية (سواء أكانت صور متحركة أم ثابتة)، مما يتيح النظر إلى الموضوع أو الحدث بدقة وببطء. أما عملية التقاط الصور على فترات زمنية محددة، فإنه من الأنسب تسميتها بـ «التصوير البطيء» أو «التخلخل الزمني»، وذلك لأن الزمن الطويل يُختصر في مدة ثوان أو دقائق من خلال بضع صور يتم دمجها؛ فهي إذن تُخلخل الزمن، أي تجعل فيه فجوات، مما يُظهر الحدث على أنه سريع للناظر.

د- المرشِّحات
تلعب المرشحات دورا هاما في خلق صورة مبدعة من صورة اعتيادية، ولكن إذا ساعدت الظروف على ذلك طبعا. من أبرز المرشحات المستخدمة في عالم التصوير المعماري هي: المرشحات الحيادية (العادية والمتدرجة)، والمستقطبات

بعض أنواع المرشحات الحيادية، وقد يكون بعضها حلقي الشكل للتثبيت على مقدمة العدسة مباشرة.

 
تقوم المرشحات الحيادية بتقليل نسبة الضوء الداخل إلى العدسة مع عدم تغيير لون الضوء مما يُلزم بإطالة التعريض لفترة أطول نسبيا. قد يتساءل البعض عن الغرض من وراء إطالة التعريض في تصوير جسم ثابت كالعمارة؛ الجواب يأتي في ثلاثة أسباب: الأول، هو محاولة خلق حركة ما حول الموضوع لجعل الصورة مؤثرة أكثر وبعيدة عن الرتابة ويكون هذا أوضح ما يكون عند تواجد بعض الغيوم (لو كان التصوير خارجيا طبعا) حيث يجعل التعريض المطول بعض الشيء الغيوم تتحرك (ويعتمد مدى حركتها على شدة الريح) وبالتالي تكوّن غشاوة حركية في الصورة. أما السبب الثاني فهو بعكس الأول تماما؛ فإنه يمكننا إقصاء بعض الحركة من الصورة عن طريق إطالة التعريض، ولكن التعريض هنا عادة ما يكون طويلا أكثر من الحالة الأولى المذكورة آنفا، ويتطلب هذا مرشحا شديد العتمة إلى حد ما، وبشرط أن يكون الجسم المتحرك دائم الحركة (كالناس حول مبنىً معين مثلا). إذا كان هناك أجسام تتوقف لبضع ثوان فمن الممكن أن تترك أثرا في الصورة النهائية ولكن يمكن إصلاح الأمر بعد ذلك بسهولة. من الممكن كذلك إقصاء الحركة عن طريق استخدام تقنية النطاق العالي (HDR). وأما السبب الثالث لاستخدام هذا النوع من المرشحات هو محاولة معادلة نسبة الإضاءة بين الموضوع والبيئة المحيطة به بحيث يمكن التقاط صورة بتباين مناسب (ومخطط ضوئي جيد). يحدث هذا غالبا عندما تكون الشمس ساطعة وربما قد يكون الموضوع في الظل إلى حد ما، فيكون التباين والاختلاف في نسبة الإضاءة بين البيئة والموضوع كبيرا ويكون من الصعب التقاط صورة تحتوي على التفاصيل في كلا المنطقتين من السواطع والظلال. يأتي هنا دور المرشحات الحيادية (المتدرجة منها على الأخص) لتقلل من حدة الضوء في جزء معين من الصورة لمعادلته مع الجزء الآخر. وهنا أيضا يمكن استخدام تقنية النطاق العالي، ولو كان العمل بالمرشحات أنسب لأسباب تقنية (منها زيادة وتراكم الضوضاء الرقمية في تقنية النطاق العالي).

عدسة كانون 18-55مم عند 21مم، ب/22، 60ث، ح100.
تم استخدام بعض المرشحات لإطالة التعريض إلى 60 ثانية في هذه الصورة، حيث أن التعريض اللازم لم يكن ليسمح بإظهار حركة الغيوم فوق المبنى.


مستقطب من نوع B+W بقطر 58مم.
المصدر
من المرشحات الأخرى المهمة في هذا المجال، المستقطبات (Polarizers). تقوم المستقطبات بجعل الضوء الداخل إلى العدسة يتردد باتجاه واحد. لن أحاول الدخول في فيزياء الضوء، ولكن من المتعارف عليه بأن الضوء (وهو عبارة عن موجة، أو جسيم) يسير في أشعة مستقيمة وكل واحد من هذه الإشعاعات يتكون من حزمة من الموجات التي تتردد (أو تهتز) في شتى الاتجاهات. يقوم المستقطب بدور المسطرة حيث يسمح لموجات معينة فقط بالمرور، هي تلك الموجات التي يتوافق اتجاه اهتزازها مع اتجاه المستقطب. تفيدنا هذه العملية في عالم التصوير لإقصاء الضوء الغير نافع والذي يسبب توهجا على الأجسام العاكسة للضوء. من أبرز استخدامات المستقطبات في عالم التصوير يكون في مجالي تصوير المساحات، والتصوير المعماري. أما في المجال الأول فهو يساعد على تصفية الماء مثلا، وإبراز معالم السماء أكثر (بالأخص إذا تواجدت بعض الغيوم) ولكن بشرط، أن تكون الشمس على زاوية مقدارها 90 درجة من اتجاه التصوير. أما في التصوير المعماري فإنه (بالإضافة إلى الحالات في تصوير المساحات) فإنه يساعد على تصفية زجاج النوافذ مثلا حتى إنه يمكن الرؤية من خلالها أحيانا، أو تقليل حدة الضوء المنعكس من بعض الأجسام في موقع التصوير. تقلل المستقطبات من حدة الضوء بشكل عام، ويتمثل ذلك فيما بين خطوة إلى خطوتين بحسب نوع المستقطب وطريقة تصنيعه

صورة توضيحية لطريقة عمل المستقطب.
المصدر
 
صورة محاكية للواقع لتأثير استخدام المستقطب.
باستخدام المرشح (يمين) وبدون استخدام المرشح (يسار).
المصدر

 
كل هذه المرشحات (وأُخر) تساعد المصور على الإبداع في تصوير موضوع ثابت في الغالب، ولكن الأهم من هذا كله هو الفكرة في رأس المصور نفسه.

مشاكل وظروف

تتنوع المشاكل والظروف التي تواجه المصور في عملية التصوير المعماري، فمنها ما هو متعلق بطبيعة الموضوع، ومنها ما هو متعلق بالعدسة نفسها. تم نقاش بعض هذه المشاكل في مقالات سابقة ولكن سنتطرق إلى بعضها مرة أخرى هنا.

أ- التلاقي العمودي
تكمن المشكلة هنا في كون العدسة من ذوات البعد البؤري المنخفض (أقل من 50مم) ولهذا فإنه أحيانا يبدو الموضوع موضع التصوير متهاويا إلى الخلف. يمكن حل المشكلة عن طريق إصلاح المنظور مع مط الصورة أحيانا بالمقدار المناسب لتبدو الخطوط العمودية متوازية، ويمكن فعل هذا في برنامجي الفوتوشوب والـ DxO. إحدى الحلول المتوفرة كذلك هو استخدام عدسة إزاحة لالتقاط صورتين عموديتين وثم دمجهما بصورة واحدة تكون الخطوط العمودية فيها متوازية، إلا أن هذه العدسات باهظة الثمن.
لا يمثل التلاقي العمودي مشكلة كبيرة إذا كان التصوير داخليا؛ ففي معظم الأحيان يتطلب التصوير الداخلي عدسات واسعة لاحتواء المكان بأكبر قدر ممكن (كما في الصورة الثانية أعلاه)، وهذا بطبيعة الحال سوف يشوه الخطوط العمودية بعض الشيء ولكن من الممكن التغاضي عن الأمر هنا لأن هذا التأثير يعطي انطباعا برحابة المكان نفسه ولا يعطي انطباعا بتهاوي المبنى إلى الخلف مثلا كما هي الحال في التصوير الخارجي.

ب- الظلال
تمثل الظلال إحدى الظروف المتغيرة، فهي من الممكن أن تكون مثالية للاستخدام في التكوين الشكلي للصورة، وقد تشكل عبئا على المصور من ناحية أخرى، لا سيما إذا كان الظل هو للمصور نفسه! من الممكن حل مشكلة الظل للمصور بأن يختار بقعة يكون فيها ظله متطابقا مع ظل ما في الصورة وبالتالي يكون جزءا من الصورة. قد لا يتسنى ذلك في جميع الأحوال طبعا، عندئذ يفضل التفكير في زاوية أخرى، إلا إذا كان المصور له غرض إبداعي آخر.
علاوة على موقعها بالنسبة للمصور، فإن الظلال تتغير بتغير موضع الشمس. ولهذا فإن التوقيت للتصوير (خارجيا كان أم داخليا) هو أمر مهم. لو كان المصور مهتما بإبراز موضوع ما وإيضاح معالمه فعليه اختيار وقت ما عند الشروق أو بعده بقليل، أو عند الغروب، وهذا لأن الضوء في هذه الأوقات لا يكون شديدا ويعطي ظلا أوضح وأطول للمواضيع، وهذا أيضا يعتمد على واجهة الموضوع المراد تصويره. أما عند صعود الشمس إلى كبد السماء فإن تفاصيل الأسطح لن تكون بارزة بسبب تواضع الظل وامتداده. وهكذا نرى بأن الظل يساعد على ضبط الانطباع المطلوب للمشاهد من خلال توضيح معالم الأسطح وأنماطها ويقرب المشهد من ثلاثية الأبعاد.
تمثل الظلال مشكلة أخرى خصوصا عند وقوع الظلال لموضوع ما على الموضوع المطلوب تصويره ولهذا يجب التأني في دراسة التركيب ومدى صلاحية الظل في تكوين الصورة، وهل من الممكن تفادي هذا الظل الواقع لو كان الوقت مختلفا. ويمثل الظل الواقع على الموضوع مشكلة تتمثل بالتعريض الغير سوي والذي ناقشناه بإيجاز في معرض حديثنا عن المرشحات الحيادية آنفا.

في هذه الصورة تم استخدام الظل لقيادة العين إلى المناطق المضيئة بعد المدخل مباشرة. تم استخدام تقنية النطاق العالي لموازنة منطقتي السواطع والظلال.
عدسة كانون 50مم، ب/8، ح200.
الموقع: سكولار غاردنز، ستايتن آيلاند، نيويورك.

ج- الانعكاسات
كسابقتها، الظلال، تعتبر الانعكاسات من الأمور المتغيرة والتي من الممكن أن تكون عاملا خلّاقا لبناء الصورة أو عاملا مشوشا. من الممكن التحكم بالانعكاسات بعض الشيء عن طريق المستقطب كما أسلفنا، ولكن هذا يعتمد على زاوية الضوء الساقط، ولربما يكون من الأفضل التفكير في أهمية تقليل الانعكاس لإظهار محتوى الموضوع من خلف الزجاج. من تجربتي الخاصة، فإن الانعكاسات تعطي جمالية أكثر للموضوع لو استخدمت بالشكل الصحيح، والأمر الغالب هو أن تبيان ما وراء الانعكاس ليس بالأمر المهم معظم الأوقات على أن ذلك يعتمد على إبداع المصور وغرضه.

صورة لانعكاس معماري على واجهة المبنى المقابل، مع عنصر بشري خفيف.
عدسة تامرون 70-300مم عند 300مم، ب/5,6، 5ث، ح100.
الموقع: مكتبة البابطين للشعر العربي، الكويت.

د- الطقس
يلعب الطقس دورا هاما في التصوير الخارجي، والتصوير الداخلي أيضا إلى حد ما. فهو يوفر الانطباع اللازم لعملية تكوين الصورة والإيحاء إلى نوع البيئة المحيطة بالموضوع. من الطبيعي كذلك بأن يتحكم الطقس بدرجة الإضاءة ويكون هو نفسه متغيرا بتغير المواسم. كل هذه الاعتبارات موجودة للدراسة من قبل المصور لاقتناص الفرصة المناسبة لتصوير الموضوع. في الشتاء مثلا وعند تلبد السماء بالغيوم فإن ضوء الشمس سيكون مشتتا وخفيفا والظلال كذلك مما يغير من درجة الألوان بعض الشيء (وبالطبع يمكن التحكم بها عن طريق ضبط المستوى الأبيض في الكاميرا ذاتها) ويكون الجو العام هادئا، ولكن من الممكن إثارة بعض الحركة مثلا من خلال التعريض المطول قليلا لتحريك الغيوم، أو عن طريق إظهار تفاصيل الغيوم أكثر (ممكن بتقنية النطاق العالي). أما في الصيف فمن الممكن أن تكون الشمس الساطعة عاملا مساعدا على بروز بعض التفاصيل في الموضوع، وخصوصا تلك التي على الأسطح مثلا. هناك الكثير من الاعتبارات والكثير من الأفكار التي من الممكن أن تعتمد في تطبيقها على أحوال الطقس في المقام الأول

صورة تم تعديلها بتقنية النطاق العالي. ليست من النوع المعماري ولكن يُلاحظ تأثير الغيوم على المشهد ككل. في الحقيقة، كانت السماء تبدو بيضاء لتلبدها بالغيوم، وهكذا تم استخدام تقنية النطاق العالي لتوضيح التفاصيل فيما بين هذه الغيوم.
الموقع: أوغترارد، مقاطعة غالواي، ايرلندا.
 

التركيب والمنظور

تختلف التراكيب والمناظير بحسب المنطق الذي يعمل به المصور عادة. كفن، التصوير يعتمد في المقام الأول على الشعور المتبادل بين المصور والموضوع في الأساس ولكن هذا لا يمنع من وجود بعض القواعد التي تقنن العمل بعض الشيء.
إحدى أولى النقاط الداخلة في الاعتبار في التصوير المعماري هي زاوية التقاط الصورة. تعتمد الزاوية كذلك على شكل الموضوع. قد تكون الزاوية المقابلة للموضوع بشكل مباشر رتيبة بعض الشيء وتوثيقية في طبيعتها؛ ولكن هذا ليس بالشيء السيئ دائما بالطبع، فهناك بعض المواضيع التي تبرز فيها قوة الخطوط (العمودية بالأخص) بشكل بارز عند التصوير المقابل، وأحيانا يكون التصوير مقابلا للموضوع ولكن ليس شاملا، بل لجزء منه فقط وهو يعطي نوعا من التركيز والتجريد؛ قد يكون التركيز في الألوان أو الأشكال الهندسية مثلا مما لا يستدعي إدخال كل الموضوع في الصورة.

تصوير مباشر لايضاح معالم وطراز الباب.
الموقع: فندق ايكاروس، جزيرة فيلكا. الكويت.


 الزوايا الجانبية أيضا إحدى النقاط المهمة في عملية التصوير حيث أنها تعطي انطباعا بثلاثية الأبعاد للموضوع (أول صورة في المقالة)، خصوصا لو احتوت الصورة على نقطتي تلاشي** مثلا؛ فهذا يعطي انطباعا بالرحابة وبثلاثية الأبعاد للموضوع. من الزوايا التي لا يألفها المشاهد عادة هما زاويتا السمت والنظير (فوق الرأس وتحت القدمين)؛ فهاتان الزاويتان تنتجان منظورا غريبا بعض الشيء أحيانا بشكل لم يعتده المشاهد الذي اعتاد على النظر إلى المستوى المعتاد. هذا بالإضافة إلى تغيير الارتفاع في المنظور لكسر الرتابة بعض الشيء بحيث تلتقط الصورة قريبا من الأرض أو بشكل مرتفع أكثر من المستوى الطبيعي***.

زاوية جانبية مع نقطتي تلاشي (عن يمين ويسار المنزل)، حيث تكون الخطوط الأفقية متجهة إلى الأفق. تساعد هذه الزاوية على الإيحاء بثلاثية الأبعاد للموضوع.
الموقع: ستايتن آيلاند، نيويورك.


صورة ذات طابع تجريدي. التقطت هذه الصورة بتوجيه الكاميرا إلى الأعلى مباشرة، أي إلى نقطة السمت (وأضطررت إلى الإستلقاء أرضا).
عدسة روكينون 8مم عين سمكة، ب/8، 1/10ث، ح100.
الموقع: المقر الدائم للمنظمات العربية، الكويت.

 
تلعب البيئة دورا مهما أيضا في عملية إتمام «حكاية» الموضوع حيث أن محيط الموضوع يكون مكملا لطبيعة الموضوع، ولا نقصد من طبيعة الموضوع هي وظيفته الفعلية، ولكن مدى تأقلم العناصر مع بعضها البعض. لعل البيئة المحيطة في مجال التصوير المعماري هي من أصعب الأمور المتداولة، وذلك لعدم سهولة التحكم بعناصرها. لذلك وجب الحذر عند إضافة بعض هذه العناصر.

نموذج لبيئة طبيعية مختلطة مع العمارة.
الموقع: سكولار غاردينز، ستايتن آيلاند. نيويورك.

لعل من أبرز عناصر البيئة المثيرة للجدل هو العنصر البشري حول الموضوع، والمتحرك منها خصوصا. فالبعض يفضل إضافة هذا العنصر لتبيان الحركة، أو حتى للقياس وخلق نوع من الإحساس لدى المشاهد بالحجم عن طريق المقارنة بين العنصر البشري والموضوع مثلا، والبعض يرفض هذه الفكرة للتركيز فقط على ماهية وخواص الموضوع بحد ذاته دون سواه. ليس هناك من أمر صحيح وخاطئ بين هذين الخيارين ولكن الأمر يعتمد على المصور ونمطه في العمل والترتيب. شخصيا، لا أحبذ إضافة العنصر البشري عند قيامي بالتصوير المعماري (لأسباب)، ولكن هذا ليس بقاعدة عامة في عملي وقد أرحب بالإضافة (البسيطة نسبيا) لإيضاح جو عام مثلا أو طرح فكرة معينة من غير زحم الموضوع بالعنصر البشري.
** نقطة التلاشي هي النقطة التي تنقاد إليها الخطوط في لوحة أو صورة ما إلى الأفق وهي من النقاط المهمة للتعبير عن ثلاثية الأبعاد والمنظور وتقدير الأحجام.
*** يسمى المنظور للموضوع من الأعلى ولكن بزاوية معينة بـ «منظور الطائر» وأما المنظور المنخفض والقريب من الأرض كثيرا فيسمى أحيانا بـ «منظور الدودة».

الخاتمة

تمثل هذه السطور بعض الأفكار عند العمل في مجال التصوير المعماري، وهي ليست نهاية المطاف، فأنا لم أتطرق إلى موضوع تصوير المشاهد المستعرضة والذي يتطلب سردا منفصلا، وهو من الوسائل الفنية والتوثيقية الجيدة للحصول على منظور عام للمكان ككل أو حتى لبعض منه. فالأمر يتطلب بحثا طويلا، والأهم، ملاحظة قوية ودراسة معمقة بعض الشيء لأعمال المصورين الآخرين في هذا المجال وهذا للتساؤل عن سبب جذب صورة ما أكثر من غيرها. الأمر، في التصوير المعماري، سيان بين التوثيق والفن، وبين الخارجي منه والداخلي، وبين هذا وذاك تكمن فرص الإبداع لدى المصور. يجب ألّا يتوقع المصور صورة ناجحة مع كل ضغطة للزر، ولكن مع التصوير المتتالي سيتمكن المصور المبتدئ من خلق التآلف بين نفسه وبين العمارة مهما كانت بطريقة تجعله يعرف مكامن القوة والجذب في الموضوع تحت الفحص. هذا، وحتى نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله…

هناك تعليقان (2):