‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضوء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضوء. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 9 أبريل 2020

الإضاءة الساطعة (Specular Lighting)…

في ظل هذه الأجواء المتوترة ومع انتشار الفيروس التاجي وبقاء الكثير في المنازل (أتمنى!) تذكرت كيف أني لم أقم بكتابة أي مقالة في هذه المدونة، بينما أصبح جُل التركيز على مدونتي الإنجليزية. لذلك فكرت بموضوع ما لأكتب عنه هنا لعله يفيد بعض القراء.
سوف تكون هذه المقالة عن تصوير الشخوص والوجوه، ولكن مع بعض ملاحظاتي الشخصية، مع استخدام إضاءة براقة أو ساطعة (أو كما تسمى بالإنجليزية Specular) وهي الإضاءة التي لا يتم تخفيف حدتها أو تعديلها لتكوين الظلال الناعمة بعض الشيء حين تصوير الوجوه والشخوص، وهو مجال التصوير الذي يشيع فيه استخدام الإضاءات المُبعثَرة الناعمة.

مقدمة

يُقسم العاملون في مجال التصوير الإضاءات إلى أنواع متعددة بحسب وجه المقارنة. لا يهمنا من هذه التقسيمات هنا سوى درجة الحدة. كنت في مقالات سابقة على هذه المدونة قد تحدثت عن الوماضات مع بعض الإسهاب في الشرح عن «معدلات الضوء» او ما يسمى (Light Modifiers)، وهي بعض الأدوات التي يستخدمها المصور لتصحيح (أو بالأحرى لتطويع) الضوء الخارج من الوماض. وقد يكون الوماض من النوع المحمول، Speedlight، أو الأكبر حجما. تقوم هذه المعدلات في الغالب على نشر الضوء وتشتيته بطرق شتى لإضافة بعض النعومة على الضوء والظل في الصورة (وهذه النعومة تختلف في درجتها باختلاف نوع المعدّل كذلك). هناك القليل من المعدلات التي لا تغير من درجة الحدة وهدفها يكون تحييد الضوء ليسقط في بقعة ما في الصورة، كالخَطْم (Snoot) مثلا.
في هذه المقالة سوف أجول حول بعض الصور التي التقطتها لنفسي (لقلة المساعدين!) باستخدام هذا النوع من الإضاءة مع بعض الشرح. قد يكون هناك بعض التعديلات على الوماض أو مصدر الضوء ولكن نوعية الضوء لا تتغير، ألا وهي نوعية الضوء «البراق» والمباشر دون تخفيف. جدير بالذكر بأن فكرة هذه الصور قد استلهمتها من أحد المصورات اللاتي عملن على تغيير النمط الفكري التقليدي فيما يخص الإضاءات اللاتي يشيع استخدامها في التصوير بشكل عام، وفي تصوير الوجوه والشخوص بشكل خاص، حيث أن القاعدة الأساسية هي في تكوين الصورة بحسب الانطباع المطلوب؛ فإذا كان الانطباع أو الهدف من الفكرة يتطلب شدة وحدة في الإضاءة فلا يجب أن يستنكف المصور استخدام الإضاءة المباشرة بشدتها دون تعديل إذا كان هذا يخدم الفكرة. بكل الأحوال، سأستعرض أنا هنا تجربتي الشخصية وما طرأ علي من أفكار، والحكم لعزيزي القارئ.

تصوير الذات
(على غرار جلد الذات الذي نتفنن فيه نحن العرب)

كما ذكرت آنفا، كانت الفكرة من وراء التقاط الصور بهذه الطريقة مستلهمة من أعمال إحدى المصورات، وأنا شخصيا أعتبر أن هذا «المشروع» (إن صح التعبير) عملا لم ينتهِ بعد ومفتوح الأمد. أي، سأظل ألتقط الصور باستخدام هذا النوع من الإضاءات متى ما سنحت الفكرة والقدرة. والحقيقة هي أن في بداياتي مع الوماض كنت قد التقطت بعض الصور بالضوء المباشر دون أي دراية أو تخطيط، وقد كان هذا منذ سنوات مضت. أما الآن فالكلام سيكون عن تلك الصور التي تم التخطيط المسبق لها والعزم على استخدام الضوء غير المعدل لالتقاطها.

Void (فراغ)
أولى هذه الصور كانت صورة أسميتها بـ «Void» (أي فراغ) وكانت الفكرة بسيطة: استخدام ملامح الوجه الغائرة والناتئة لتشكيل الظلال. بسبب عدم توفر الإمكانيات لرفع الوماض عموديا فوق الرأس فإن الضوء الساقط قد شكل زاوية ويمكن رؤية أثر ذلك من ظل الأنف، حيث أن الظل كان يجب أن يكون تحت الأنف مباشرة، ولعل لهذا السبب كذلك لم أستطع إعتام الظل تماما في منطقتي محجر العين والفم، حيث أن العمل على هاتين المنطقتين قد تم لاحقا عند تحرير الصورة في برنامج الفوتوشوب. من هذه التجربة البسيطة يتبين كيف أن زاوية سقوط الضوء في حالة الضوء البراق ستكون غالبا حرجة وحساسة عند تشكيل المظهر العام في الصورة. جدير بالذكر أنه في هذا المقام كنت قد جربت التقاط الكثير من الصور وتقدير بُعد الوماض عن الرأس وما إلى ذلك فكانت المحصلة النهائية أنْ تم وضع الوماض خلف رأسي قليلا وليس على استقامة واحدة مع الرأس، وهذا لتقليل كمية الضوء الساقط على الوجه بشكل مباشر ولتعتيم الظلال. فلو اكتفينا بتقليل شدة الضوء فقط (عن طريق التحكم بتخصيصات وخيارات الوماض) فهذا لا يعني أن الضوء لن يسقط على محجر العين والفم، وإن كانت النتيجة النهائية
Specular Selfie (سيلفي براق)
قد احتاجت فعلا إلى بعض العمل لزيادة العتمة في هاتين المنطقتين، ولكنها دون تحريك الوماض إلى خلف مستوى الرأس فإن هاتين المنطقتين ستكون مُنارة أكثر
.

أما الفكرة الثانية فقد كانت بسيطة للغاية، ولكن مع إضافة التعقيدات إليها! كانت الفكرة هي التقاط صورة ذاتية (أو ما يتعارف عليه بالـ«سيلفي») باستخدام الوماض على الكاميرا مباشرة.
لعل إحدى القواعد الأساسية في التصوير باستخدام الوماض، لا سيما في تصوير الوجوه والشخوص، هي اجتناب استخدام الوماض من فوق الكاميرا، لاعتبارات فنية لا أريد الخوض بها الآن ولكني كنت قد تكلمت عن هذا الأمر موجزا في إحدى المقالات السابقة. أما في هذا المقام فقد كنت مصمما بالفعل على عمل ذلك ولكن مع بعض الإضافات:
1- إضافة معدل «خلية نحل» على الوماض لتحييد الضوء الخارج ومركزته في وسط الوجه.
2- إضافة وماضين في الخلف لإضاءة الحائط وإلغاء أي أثر للظل الناتج من استخدام الوماض الأول.
وماض مع «خلية نحل»
من إنتاج Rogue.
انقر للتكبير
وجدير بالذكر أن معدِّل «خلية النحل» والذي يتكون من شبكة من السداسيات لا يقوم بتعديل الضوء إلا إذا تم إضافة بعض المرشحات الخاصة في داخله (خلف الشبكة) وهذا ما لم أفعله هنا، وإنما كانت الإضاءة مباشرة ومركزة في منتصف الوجه تقريبا. هذه الطريقة ساعدت على إضاءة العين وإظهارها بلون فاتح نسبيا دون الحاجة للتعديل في برنامج الفوتوشوب حتى (ولكن التعديل على العين تضَمّن ضبط اللون والحدة ولربما زادت الإضاءة أو التباين بين درجات الألوان بشكل عام جراء ذلك). هذه الصورة الذاتية كانت محورا لبعض العمل لاحقا ولكن لن أتطرق إلى طريقة صنع هذه الصور حيث أن هذا خارج نطاق هذه المقالة، ولكن لا ضير في عرض الصور على أي حال!

صورتان منتجتان من الصورة أعلاه باستخدام أساليب المزج المختلفة في برنامج الفوتوشوب.


Abducted (مُخْتَطَف)
أما الصورة الثالثة فقد كانت وليدة لحظتها. دون تفكير معمق في هدفها، بل حتى إنني لم أقم بعمل هذا التعبير على وجهي ولم أفكر فيه إلا في لحظة التقاط الصورة. بالرغم من ذلك فإنها حازت على إعجاب جمهور لا بأس به. تم تصوير هذه اللقطة دون مقدمات تقريبا، وقد حملت وماضين بيديّ ووجهتهما إلى جانب وجهي؛ هكذا ببساطة. تطلب الأمر (طبعا) بعض اللقطات لاختبار وضعية الوماضين وموقعهما بالنسبة لرأسي وكان الموقع الأفضل هو تقريبا مقابل الأذنين. أما النقاط حول الرأس فهي للإضاءة في المكان ذاته والتي لم تكن سرعة الغالق كافية لحجبها. ولذلك فإنه عنده معاينة الصورة على الحاسوب، تبادر إلى ذهني رأسا شكل المركبات الفضائية في بعض أفلام الخيال العلمي (والتي شاهدتها في مراهقتي، أما الآن فلا أشاهد الأفلام!) حيث تكون المركبة محاطة بالأضواء، ولهذا قمت بتسمية هذه الصورة «Abducted»، أي المُختطَف. جدير بالذكر بأن الأضواء لم تكن متناسقة تماما حول منطقة الرأس ولهذا قمت ببعض الأعمال البسيطة في برنامج الفوتوشوب لإصلاح هذا الأمر. وكنت قد طبقت بعض التأثيرات على هذه الصورة كما هو الحال مع سابقتها وكانت النتائج لا بأس بها كذلك مما جعلني أفكر مليا في مباشرة العمل على هذا التأثير في الكثير من الصور مستقبلا!

Coronal Attitude (سلوك كوروني)

في الصورة الرابعة قمت باستخدام إضاءة لا استخدمها عادة لكونها تمثل أحيانا ما يُستخدم من مؤثرات في أفلام الرعب (عادة!)، وهذه هي الإضاءة من الأسفل. كان المحفز على استخدام هذا النوع من الإضاءة (أقصد من الأسفل) هو أنني قد لاحظت التقاط الصور السابقة مع توجيه الوماضات إلى مختلف الاتجاهات ولكن لم أفكر باستخدام هذا الاتجاه من قبل.
التقطت هذه الصورة باستخدام وماض واحد من الأسفل والحقيقة أنني لم أعرِ اهتماما للكثير من الأمور، مثل الخيارات التي يمكن تغييرها في الوماض أو حتى الملبس والتعابير. في معرض الحديث عن الملبس والتعابير فقد كانت هذه التعابير وليدة اللحظة كذلك كما في سابقاتها تقريبا، والحقيقة أن هذا الكمام في الصورة كان بسبب إصابتي بنزلة برد عادية فأصبت بالكحة قليلا وقد أصبحت أرتدي الكمام أينما ذهبت وخصوصا في المنزل لتحاشِ إعداء أحد ما خصوصا من كبار السن. ومع ذلك فإن ذاك الوقت كان أيضا الوقت الذي بدأ فيه مرض كوفيد-19 بالانتشار ولم تكن الأمور قد تعقدت بعد.
أحد الأمور المزعجة بالنسبة لي في هذه الصورة هو بقعة الضوء على أرنبة الأنف والتي تبدو وكأنها قد رُسمت، وبالرغم من محاولاتي لإصلاح هذا الأمر إلا أن محاولاتي قد باءت بالفشل. ومن ناحية أخرى، يمكنني القول بأن المظهر العام للصورة جيد نسبيا وقد صنع هذا النوع من الإضاءة (أي الإضاءة من الأسفل) «مزاجا» خاصا، ولعل ما ساعد على ذلك أيضا هو نوعية الألوان في الصورة (في الملبس والكمام) حيث تبدو وكأنها قد رسمت بالفعل باستثناء منطقة الأنف. ربما يجب علي التفكير مليا في تجربة هذا النوع مرة أخرة في المستقبل القريب.

 
They Are Gone (ذهبوا)
وبمناسبة التصوير بالكمام، فقد كانت لي وقفة تصويرية مع بعض الكمامات في لحظة كان الحزن قد خيم علي فيها بسبب الأحداث المتواترة، منها فقد بعض الأقارب بالإضافة إلى تفشي الفيروس التاجي والذي عطل الحياة بشكل شبه تام. والحقيقة أن هذه الصورة قد تبدو للوهلة الأولى بأنها من صنع إضاءة طبيعية وهي تلك الداخلة من النافذة، وهذا صحيح. ولكن بالإضافة إلى هذه الإضاءة فقد قمت باستخدام الوماض المصغر على الكاميرا لإضفاء بعض الضوء في الجزء السفلي من الصورة والذي كان معتما قليلا لعدم وصول ضوء النافذة إليه، ويمكن مشاهدة ظل اليد على طرف السرير نتيجة استعمال هذا الوماض. وهكذا، فيمكن إدراج هذه الصورة ضمن هذه القائمة من الأعمال التي تم استعمال الوماض فيها دون تعديل. في هذه الصورة، «ذهبوا»، كان التحرير مختلفا بعض الشيء حيث ركزت هنا على تقليل التباين بدلا من زيادته (كما أفعل عادة) وكان الغرض من هذا هو إضفاء هالة من نوع ما في المشهد بشكل عام.

The Cane (العصا)
ونأتي إلى آخر هذه التجارب مع الإضاءة البراقة أو غير المعدلة، وهي صورة التقطتها قبل نهاية شهر فبراير، وهو شهر التوعية بمرض تلف الشبكية الصباغي (Retinitis Pigmentosa) والذي أعاني منه، وقد درجت على التقاط بعض الصور في هذا الشهر من كل سنة للتوعية بهذا المرض. والحقيقة لم تكن هذه الصورة هي الأولى لهذه السنة ولكني آثرت التقاط واحدة أخرى عندما وسنحت الفرصة والفكرة. تم استخدام وماض واحد على الجانب الأيسر مني (الأيمن في الصورة) وقد أمسكت أثناء ذلك عصا المشي المخصصة لضعاف البصر والعمي. تكون هذه العصا في الغالب ملونة باللون الأحمر أو الأبيض أو كلاهما، ولكن بطبيعة الحال كنت قد خططت مسبقا لجعل الصورة بالأبيض والأسود ولهذا لم يكن مهما بالنسبة لي أن يظهر اللون الأحمر في الصورة. عملت العصا في هذا المقام على إيقاف انتشار الضوء من الجانب الأيسر إلى الأيمن صانعة صورة مقسومة الضوء بنجاح، وهذا هو مغزى الصورة بشكل عام حيث أن هذه العصا تمثل لمستخدميها الحد الفاصل بين العالم المرئي والظلام المطلق.
تم وضع الوماض هنا بنفس الطريقة كما في الصور السابقة، عند حد الأذن تقريبا وهذا ساعد على نجاح الفكرة، حيث لو كان الوماض متقدما قليلا لما كانت العصا ستنجح في حجب الضوء المنتشر عن النصف الآخر. أما فيما يتعلق بتحرير الصورة، فقد قمت بإضافة صبغة خفيفة من اللون الأصفر في منطقة السواطع، وصبغة زرقاء خفيفة في منطقة الظل. قد تبدو منطقة الظل عديمة التفاصيل ولكنها في الحقيقة تحتوي على الشيء اليسير منها وتحتاج إلى بعض التدقيق (وقد لا تبدو واضحة كما هو الحال في الصورة الأصلية حيث أنها هنا مصغرة لغرض النشر على الشبكة).

الخاتمة

نصل إلى خاتمة هذه المقالة البسيطة والتي أرجو أن تكون محل استفادة لعزيزي القارئ. خلاصة ما أردت قوله هنا هو أن استعمال معدلات الضوء ليس ضرورة ملحة، خصوصا عند تصوير الوجوه والشخوص. علاوة على ذلك، يجب أن يخدم الضوء الفكرة ولا يجب أن يظل تعديل الضوء حبيس الرتابة في الاستخدام.
قد لا يملك البعض معدلات الضوء المناسبة أو أي معدلات للضوء تماما، ولذا إذا كنت من هؤلاء وقد قرأتَ هذه المقالة فعلا فأرجو أن تكون قد بعثت هذه المقالة بعض الأمل بأن فن تشكيل الضوء لا يرتبط بتعديل الضوء بذات قدر ارتباطه بتشكيل الفكرة. بل إن تعديل الضوء بحد ذاته يمكن تحقيقه بالطرق المتاحة في المنزل، أبسطها قد يكون عكس الضوء من الحائط لتشتيته مما يساعد على إضفاء بعض النعومة على الموضوع المراد تصويره، وهذا موضوع كنت قد تحدثت عنه سابقا.
تبقى العوامل الأهم عند العمل مع هذا النوع من الإضاءة، وهو التحكم بشدته وبزاوية إسقاطه حتى يناسب الموضوع محل التصوير مع الانتباه إلى الظلال المتكونة والالتفات إلى حاجة هذه الظلال إلى التفاصيل من عدمها. يمكن القول بأن اللاعب الرئيسي مع هذا النوع من الإضاءة هو زاوية الإسقاط والتي تحدد المزاج العام للصورة. بعد تحديد الزاوية المناسبة، يمكن عندئذ التحكم بالشدة بالقدر المناسب. لكن يجب القول بأن نوع الإضاءة هذا لا يناسب المواضيع المصقولة أو البراقة كالمعادن والزجاج لأنها تعكس الضوء بشدة، ولكن مع قولي هذا، فإنني أشجع على التجربة وفي الفن لا يوجد ما هو خاطئ ومصيب، وقد يتطلب عمل فني ما هذا النوع من الإضاءة بالرغم من احتوائه على الزجاج أو المعادن وما إلى ذلك.
أرجو أن تكون مقالتي هذه محفزا لعزيزي القارئ على العمل مع الإضاءة البراقة (غير المعدلة) وعلى تكوين أعمال فنية خارجة عن المألوف من شتى أنواع الضوء وليس من الضوء المُشَتت فقط. هذا، حتى نلتقي في مقالة قادمة إن شاء الله…

الأحد، 14 سبتمبر 2014

التصوير التأملي (Contemplative Photography)…

سأتوقف في هذه المقالة عن التحدث عن التقنيات والأساليب، خصوصا تلك المتعلقة بالفوتوشوب، وسأعود إلى نقطة البداية، إن صح التعبير؛ أي إلى عالم الكاميرا والتصوير نفسه. ولكن هذه المرة لن يتعلق الأمر بتقنيات التصوير أيضا، بل سنتحدث عن التصوير بحد ذاته كعملية منبثقة من الروح بمساعدة الإحساس البشري؛ هذا الإحساس الذي يكون قوامه البصر (وليس النظر). 
 
غلاف الكتاب
المصدر
بالاختصار، سوف أتحدث هنا عما يسمى بـ «التصوير التأملي» (أو التفكري). جُل المعلومات التي ستذكر هنا هي نابعة من كتاب واحد: التصوير التأملي (Contemplative Photography) لمؤلـّفيْه آندي كار (Andy Karr) ومايكل وود (Michael Wood). قد تكون هناك بعض التجارب الواقعية التي مررت بها شخصيا قبل قراءة هذا الكتاب ولكن لم أكن لأستوعب ما كان يجري وراء الكواليس في داخل العقل وطريقة التفكير حتى قمت بقراءة هذا الكتاب. يتضمن هذا الكتاب بعض التمارين كذلك لمساعدة القارئ على تدريب عقله على الاستنباط والاستقبال. لم أقم بإجراء كل هذه التمارين ولكنها حتما مفيدة جدا، بالرغم من بساطتها. فما هو التصوير التأملي إذن؟

يعرّف مؤلفو الكتاب التصوير التأملي بأنه: هو طريقة لرؤية وتصوير العالم بشكل نقي، وذلك لإظهار الغنى والجمال الذي يكون عادة مخفيا عن النظر. فبدلا من التشديد على أهمية الموضوع أو الجانب التقني للتصوير، فإن هذا النوع من التصوير يعلمك على النظر بصفاء، والتقاط الصور باستقبال (ذهني) نقي. [منقول ومترجم من صفحة المؤلفين.]
كما نلاحظ، فإن التعريف هنا يميل نوعا ما إلى الفلسفة وليس إلى التقنيات المعتادة في التصوير – فهذه الطريقة هي أداة لتجعل المصور يتصل بالعالم من حوله، وتجعله يرى ما لا يراه الناس العاديون (أو المصورون العاديون!). هذه الطريقة هي ليست لصنع صور يبتهج برؤيتها غيرك، بل هي لك أنت لتصنع صورا تعكس عقلك ورؤيتك؛ بل ويمكنني القول بأنها طريقة لإرضاء النفس إلى حد ما بعيدا عن النقد. يشدد المؤلفان في كتابهما هذا على أن التصوير التأملي ليس مدرسة بحد ذاته، ولكنه طريقة لمساعدة المصور على التأمل ورؤية الغير مرئي للسواد من الناس.

الوعي والاستبصار

يقوم المؤلفان بتقسيم الحالة النفسية للرائي إلى موضوع ما إلى قسمين أساسيين هما: الوعي أو الإدراك (Conception)، والاستبصار (Perception). لا يمكن بالطبع شرح الفلسفة المتعلقة بكل منهما في هذا المجال الضيق (وإلا لما كان هناك أي داع لكتاب!)، ولكن الأمر يتعلق بالتخلص من المبادئ المتعلقة بالمواضيع ورؤية الموضوع على حقيقته.
مثلا، يمكنك النظر إلى زهرة ما، وسوف تبدأ بالتفكير بأفكار معينة مثل: رائحتها زكية، من زرعها؟ هي «جميلة». كل هذه الأفكار تعتبر نتاج الوعي والإدراك؛ ذلك لأن العقل قد أعطى صفات ومقترحات أو حتى تساؤلات عن ماهية هذه الزهرة. يعتقد مؤلفا الكتاب بأن كل هذه المنطقيات الموضوعة مسبّـقا عن الموضوع تتداخل مع حيوية الموضوع والعالم ككل من حولنا – فعقولنا وأحاسيسنا محدودة العلم وهذا من البديهيات المسلم بها (لا أحد يعلم كل شيء). وعليه، فمن المنطقي القول بأن هذه المبادئ المسبّـقة للعالم من حولنا تضيع الفرصة لاستشعار حقيقته، أو إن صح القول، لاستبصاره. على هذا الأساس علينا التخلص من المبادئ المرسومة مسبقا عن العالم من حولنا للنظر في جوهر العالم من حولنا. من هذا المنطلق، يقسم المؤلفان مراحل الاستبصار بالتدريج إلى 3 أركان أو مراحل:
1. اللحظة.
2. التبصر.
3.
التشكيل (الموازي).

اللحظة
وهي اللحظة التي ينقطع فيها التفكير عن العمل. عندما تكون مشغولا بعمل شيء ما، كصنع القهوة مثلا، تكون في العادة مشغولا في التفكير بأشياء معينة، إما تلك التي لها علاقة بالقهوة أو أمور أخرى لها علاقة بالعمل مثلا. لكن هناك قد يظهر في بعض الأحيان انقطاعا في التفكير (أو كما يسمى أحيانا بالعامية: سرحان). إنها لحظة صفاء، حيث لا يكون العقل منشغلا بأي شيء آخر. هذه اللحظة بذاتها تعتبر أولى خطوات الاستبصار.
هذه اللحظات الخاطفة لا يمكن صنعها أوإجبارها على العقل والنفس، بل إنها تحدث كما هي من تلقاء نفسها من دون تحكم. على أنه يمكننا مع بعض التمارين أن نعمل على إدراك هذه اللحظات واستيعابها.

التبصر
تعتبر هذه المرحلة هي الأصعب في عملية الاستبصار. فبعد استيعاب اللحظة وخلو الفكر، لن يكون هذا كافيا لاكتشاف حقيقة ما أمامنا، فعلى المرء المار بهذه التجربة المحافظة على هذا التركيز وصفاء الذهن حتى يتشكل الجوهر أمامه.
هناك خطآن قد يرتكبهما الرائي بعد إدراك لحظة الصفاء: الإثارة، والتفكير. كلا الأمرين قد يبدوان جيدان للوهلة الأولى ولكنهما سيقتلان لحظة الصفاء هذه، كما يقول المؤلفان. فالإثارة، كما هو معروف، تهيج النفس وقد تأتي بأفكار تشوش على لحظة الصفاء هذه – فقد تعمل الإثارة على زرع النسيان في العقل حتى ينسى المصور ما قد أثاره في المقام الأول. لهذا، على المصور ألّا يجمح بانفعالاته وسعادته بالحصول على لحظة الصفاء هذه، بل يجب عليه التمسك بالهدوء والتركيز وتقدير هذه اللحظة. لا ضير أن تغيب هذه اللحظة، فسيوجد غيرها في وقت لاحق، ولكن من المهم أن يتعود المصور على تمييز هذه اللحظات والتبصر بها مع الاسترخاء والاستمتاع والتقدير المستحق للحظات الصفاء هذه.
أما الخطأ الثاني فهو التفكير؛ والمقصود هنا هو التفكير التصويري، أي كالتفكير في الفتحة اللازمة، سرعة الغالق، وما إلى ذلك من الأمور المتعلقة بالتصوير. عند التفكير بهذه الأمور فإن هذا يقطع حبل صفاء الذهن وعندها يرجع العقل إلى إضفاء المبادئ إلى العالم المرئي، وهو الشيء الذي كنا نحاول التخلص منه في المقام الأول. وعليه، فإنه يجب على المصور ألّا يفكر بالتصوير نهائيا في لحظات كهذه، بل عليه الاستمتاع بلحظة الصفاء قدر المستطاع. دع الموضوع تحت الاستبصار هو ما يحدد التركيب المناسب للصورة ولا تحاول إرغام العقل على تحليل المشهد ووضعه تحت تراكيب معينة – تابع النظر إلى الموضوع بصفاء، من غير إضافة عناصر أو إنقاصها. هذه الأمور تأخذ لحظات معدودة في الطبيعة ولكن المؤلفان هنا يذكرانها بالتفصيل، مرحلة تلوالأخرى.

التشكيل (الموازي)
بعد تشكيل التبصر والصفاء الذهني، يأتي أخيرا دور التقاط الصورة، أو عملية تشكيل موازٍ لما تبصرنا به آنفا. كل العمليات الذهنية والتأملية السابقة تتم دون التفكير بالتصوير والكاميرا. فقط عند دمج الذهن والعين وتشكيل المنظور العقلي للموضوع من دون وضع مبادئ ومعان لهذه الرؤية وبعد استحكام التبصر، يمكن الآن التقاط الكاميرا والعمل على تشكيل مشهد مماثل لما تبادر إلينا عند صفاء الذهن.
لا يوجد مواصفات مطلوبة للكاميرا، ولعل في عالمنا اليوم تعتبر الهواتف النقالة المزودة بآلات التصوير الحل المثالي لهذا النوع من التأمل، ولكن يجب أن ندقق أيضا في المواصفات المطلوبة للصورة. قد يكون من المناسب جدا عند استعمال الكاميرات الحديثة والمتقدمة أن يتم استخدام الأنظمة الآلية في الكاميرا، وهذا حتى لا ينشغل المصور في التفكير في الخيارات والضبط المطلوب لالتقاط الصورة، على أن هذا ليس شرطا، ولكن يجب مراعاة عدم التفكير الملي في موضوع التقاط الصورة حتى لا تغيب الصورة المُتأمـَّـلة عن الذهن وتحل محلها التعقيدات التقنية الخاصة بالكاميرا. عند هذه النقطة من المفترض أن يشكّل المصور بأقرب شكل ممكن ما قد رآه عند صفاء الذهن وانقطاع الأفكار.
قد يفكر المصور أحيانا ببعض الإضافات من جانبه، فمثلا قد يفكر «ماذا لو التقطنا الصورة بعدسة كذا وكذا...»، أو أي أمر آخر؛ في مثل هذه الأمور ينصح المؤلفان بالابتعاد عن هذا النمط من التفكير لأنه سوف يعكر صفاء الذهن واستمراريته، كما أنه سيسلب الروح المعنوية من تلك الصورة المتكونة نتيجة الصفاء الذهني. فيكفي عند التقاط الصورة التحرك أو التقريب (إذا كانت العدسة مقربة) لتشكيل الصورة كما هو مطلوب. وقد يعمل المصور على تعديل الملف (السالب الرقمي) بعد رفع الصورة على الحاسوب، وهذا أيضا يجب أن يكون بأقل درجة ممكنة.

العمل

لتمرين العقل على هذه الحلقات من صفاء الذهن يوجد هناك عدد من التمارين المخصصة لذلك، أو من الممكن القول إنها نظام حياتي يمكن متابعته عند الرغبة في تحقيق هذه الرؤى. يقترح المؤلفان بأن يقوم المصور بتعيين مواعيد محددة لهذه التمارين؛ لمرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا، فإن لم يمكن ذلك، ليكن في عطلة نهاية الأسبوع على الأقل. من المهم أن يصبح الأمر روتينيا وفي أوقات محددة مسبقا من قِـبَـل المصور بدلا من أن يكون الأمر عشوائيا في حياة المصور؛ فالعشوائية لا تخدم الممارسة. وبالطبع يجب على المصور التأكد من إعدادات الكاميرا وجاهزيتها قبل الشروع في عمل هذه التمارين. ينصح المؤلفان كذلك بالاسترخاء لساعة أو ساعتين قبل العمل على التأمل، ويجب الانقطاع عن العالم الخارجي: اغلق الهاتف، لا تتحدث مع شخص ما، لا تستمع إلى الموسيقى، بل وحتى لا ترهق عقلك بالتفكير في الأمور المستقبلية أو بأحلام اليقظة؛ فكل هذه الأمور وما على شاكلتها من الممكن أن تصنع عازلا ذهنيا بينك وبين البيئة المحيطة بك وتجعلك غير قادر على التركيز والتأمل والعمل على تحقيق صفاء الذهن. قد تواجهك صعوبات في بادئ الأمر نظرا لعدم تعود الإنسان على الوحدة، وقد تشعر بالوحشة للوهلة الأولى لأنك قد أعتدت التفاعل والحياة الاجتماعية، ولكن الأمر سيكون اعتياديا بعد فترة.
بالنسبة إلى المواقع التي يمكن ممارسة هذا النشاط فيها فهي ليست محددة، ولكن ينصح المؤلفان المبتدئين بالابتعاد عن الحدائق وكل الأماكن التي يمكن وصمها في العادة بـ «الجميلة» لأنها قد تعطي اقتراحات ومنطقيات أو أفكار مسبّقة للمصور مما قد يؤثر على مسار صفاء الذهن؛ ولكن على أية حال، لا يهم المكان الذي من الممكن أن يُمارس فيه هذا النشاط، حتى لو كان في شارع مزدحم. قد يواجه المصور بعض الارتباك بسبب الازدحام مثلا، ولهذا يلزم الأمر بعض الوقت للتكيف ومن ثم العمل على تفريغ العقل من الأفكار وتنمية الصفاء الذهني.

التكاليف

ثم يذهب المؤلفان إلى وصف بعض البرامج أو التمارين التي من الممكن اعتبارها كالتكاليف المدرسية؛ وهي تكاليف للعمل على زيادة تركيز المصور. يشدد المؤلفان كذلك على أن هذه التكاليف إنما هي تمارين فقط، وليست لاقتراح موضوع ما يكون جيدا للتصوير. فعندما يصبح العقل منفتحا على الجوهر، وتكون العين قد تآلفت مع العقل، فإن أي موضوع يدخل في مجال الاستبصار هو موضوع جيد للتصوير. نلاحظ هنا بأن المؤلفان لا يناقشان جماليات الصورة ورأي الجمهور أو النقاد فيها، ولكن ببساطة، هو موضوع يخص المصور وذاته.
يقوم المؤلفان بعدها بتصنيف التكاليف بحسب نوعها ونمطها، ولكل منها الإجراءات والاعتبارات المحددة لها، وسنأتي على ذكرها. يأتي هذا التصنيف على هذه الشاكلة لمساعدة العين والعقل على الاندماج والتناغم من خلال تركيز التفكير في نمط معين، وسأحاول وضع بعض الأمثلة التي اعتقد أنا شخصيا إنها تعكس بعض هذه التكاليف - فقد حاولت الحصول على إذن مباشر من المؤلفين لاستخدام بعض الصور من الكتاب ولكن الرد كان بطيئا. بناءً عليه، فإنني أطرح بعض الأعمال التي قمت بها والتي أرى إنها تعكس بعض أنماط هذه التكاليف.

تكليف اللون
يعتبر اللون من أقوى السمات الظاهرة في الحياة اليومية، ولهذا فإن هذا التكليف سيكون سهل نسبيا. على أن اللون على حاله هو أمر لا معنى له – فالمعنى له دائم مرتبط بغيره، كقولنا «حائط أحمر» مثلا، أما اللون الأحمر في حد ذاته لا معنى له.
عند البحث عن الألوان عليك بالبحث البسيط من غير التعقيدات الأخرى؛ كل ما تبحث عنه هنا هو «لون» أو «ألوان» من دون ربط هذه المبادئ بمبادئ أخرى أو ذكريات مسبقة. حاول أن تتجنب المواضيع المتلونة أو الزاخرة بالألوان لتجنيب العقل التفكير بـ «الأشياء الزاهية»، أي أن تحث عقلك على البحث على الأمور الملونة بحد ذاتها. يضع المؤلفان كذلك بعض التوجيهات للمساعدة في هذه العملية:

افعل:
- حدد هدفك واعزم على تصوير «لون».
- عندما يثير لون ما انتباهك، دع عقلك يقف. قف انت بنفسك، وتأمل لنصف دقيقة لتتعرف على ما جذب انتباهك، من دون رفع الكاميرا إلى عينك.
- تعرف على ماهية المرئي. كيف بدأ التأمل وكيف ينتهي؟ ماذا يشمل وما هو غير مشمول في المشهد؟ هل المشهد عمودي أم أفقي؟
- ارفع الكاميرا إلى عينك وانظر إلى ما أثار حس التأمل فيك من خلال الكاميرا (من خلال العينية أو الشاشة). اسأل نفسك، هل هذا هو فعلا ما استوقفك؟
- لو كنت تريد التقاط الصورة بنظام معين فاضبط الخيارات (مع التركيز أو حدة الصورة طبعا) والتقط الصورة. يمكنك العمل كذلك بالنظام الآلي في الكاميرا حتى تقوم الكاميرا بكل عمليات الضبط.
- الأهم من هذا كله، الاستمتاع بما تعمل. وعند إفلات لحظة التأمل هذه لا داعي للحسرة! فالالهام موجود في كل مكان ويحدث في أي حين.

لا تفعل:
- في هذا التكليف، تجنب الأسود والأبيض والرمادي والبني. ابحث عن ألوان أكثر حيوية.
- لا تنظر إلى فنون الحائط (أو ما يسمى بالغرافيتي).
- لا تلتقط صورا لكلمات أو حروف أو أعداد.
- لا تلتقط صورا للون معين من على البعد، بل اقترب وتعرف على الشيء الذي أثار انتباهك.
- لا تضف ما لم يكن موجودا عند التبصر.



بعد الانتهاء من التصوير، استمر بالمراقبة والبحث. فأحيانا، لا يصبح النظر تبصرا إلى عند وضع الكاميرا جانبا!

تكليف النسيج
ويقصد هنا بالنسيج، تلك المجموعة المترابطة من الأشكال أو الأنماط، كالخطوط والدوائر وما إلى ذلك. يعتبر النسيج كاللون؛ لا معنى له بذاته. وهو ما يجعله موضوعا جيدا للتحقق والتأمل.
يختلف هذا التكليف عن تكليف اللون لكون طبيعة المرئي مختلفة هنا. ففي تكليف اللون، تكون مهتما بالبحث عن ألوان صارخة وحيوية ينتبه لها عقلك ويتوقف لتأملها. أما في البحث عن الأنماط أو الأنسجة هنا، فإن الأمر مختلف وأقل وضوحا، ولكنها أعمق وأرق. عند المرور بجانب أنماط معينة أو أشكال مختلفة حاول أن تتوقف وأن تتفهم طبيعة النسيج التي استوقفتك.
عند العمل على هذا التكليف، لاحظ كيف تختلف طبيعة ومظهر النسيج مع اختلاف نوعية الإضاءة (خصوصا في الخارج مع اختلاف موقع الشمس في السماء). من المهم هنا أن تتجنب البحث عن الأشكال المطرزة أو المنمقة ويجب أن ينصب جهدك في البحث على الأنسجة بحد ذاتها من غير اعتبار للموضوع الحامل لهذه الأنماط.
من التوجيهات التي يضعها المؤلفان في هذا التكليف ما هو آت:
- انسَ اللون في الوقت الحالي فقط وقم بالتركيز على الأنماط والأنسجة.
- امش ببطء ولا تسرع، وخذ وقتك في التواصل مع الأنماط والأشكال المحيطة بك.
- عند التقاط صورة ما، دع الجزء الذي لفت انتباهك فقط هو الصورة، من غير إضافات أو نقصان (وقد يتطلب الأمر الاقتراب أو الابتعاد، أو حتى استعمال العدسة المجهرية مثلا).
- تخيل أن عيناك لهما بَنان، وتخيل أنهما تلامسان النسيج المعني. دع إحساسي اللمس والنظر يتأقلمان مع بعضهما البعض. جرب هذه الخطوة من دون الكاميرا.
- من التجارب المفيدة في هذا المجال: حاول التحرك في منزلك وانت مغمض العينين. جِد طريقك في هذه البيئة التي اعتدت عليها وعندما تلامس نسيجا ذو تفاصيل جاذبة لك، افتح عينيك وانظر إليه، ثم اغمض عينيك مرة أخرى وتابع استكشاف بيئتك المحيطة.
عادة ما يخطئ الناس في معرفة الفرق بين الأنسجة والأنماط الشكلية؛ فعند النظر إلى قطعة من القماش الملون مثلا، لا تهمنا الأشكال التي عليه، وإنما النسيج ذاته

 

تكليف البساطة
يأتي هذا التكليف أحيانا كضرورة من ضرورة الحياة المعاصرة في الوقت الحالي؛ لماذا؟ إن حياتنا اليوم أصبحت تجري على قدم وساق ومزدحمة بالأفكار إلى الحد الذي جعل من حياتنا اليومية عبارة عن سلسلة من التعقيدات. الحل لهذه التعقيدات هو: البساطة.
من مهام هذا التكليف هو البحث في العلاقة بين التكوين والفضاء، وستكون المهمة في البحث عن التباين القوي الحادث بين التكوين والفضاء، حيث أن بروز التكوين وجاذبيته تأتي بسبب الفضاء المحيط به. يقول المؤلفان بأن الكثير من الطلبة الدارسين لهذا النوع من التصوير يقومون بتصوير الأشياء ضد السماء (أي يجعلون السماء كخلفية للموضوع). بالرغم من اندراج هذا النوع من الصور تحت مسمى «البساطة» ولكن الفكرة من هذا التكليف هو الانسجام مع تجربة البساطة، لا البحث عما هو بسيط.
عند القيام بهذا التكليف حاول النظر إلى الأشياء وإلى الفضاء المحيط بها. تريث في النظر ولا تسرع وانتقل ببصرك من الأشياء إلى محيطها. هذا، وقد تكون التكوينات مع الفضاء المصاحب لها إما ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد بحسب وجهة النظر ذاتها، فالبساطة لا تعني دائما أن يكون التكوين ثنائي الأبعاد.


تكليف الضوء
من المتعارف عليه بأن الضوء يختلف باختلاف المواضع والأوقات بشكل عام. ففي الخارج، يكون موضع الشمس في السماء مسؤولا عن طول الظلال وشدتها علاوة على لون الضوء وحرارته. وفي الداخل، يكون نوع المصابيح المستخدمة المسؤول الأول عن شدة الظلال وحرارة (لون) الضوء. في هذا التكليف، علينا أن نستكشف الأنماط التي يصنعها الضوء في العالم من حولنا.
في هذا التكليف نحن لا نبحث عن الأشياء المضاءة، أو عن الظلال التي تصنعها الأجسام الموضوعة في طريق شعاع الضوء. ولكن نحن بصدد الأنماط والأشكال التي يصنعها الضوء بحد ذاته. هذا، وقد يكون العمل مع الأنماط الناتجة من أشعة الشمس أيسر من العمل مع الإضاءات الاصطناعية لكون ضوء الشمس قوي وقادر على التخلخل في البيئة أكثر من الإضاءات الداخلية – وهذا لا يمنع من العمل مع هذه الإضاءات طبعا.


تكليف المساحات
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التكليف مشابها لتكليف البساطة من حيث المضمون؛ فهو يبحث في العلاقة بين الفضاء أو المساحة والتكوين المُحتوى فيه. لكن في هذا التكليف الأمر مختلف؛ فهنا نحن نحاول أن نركز على المساحة أو الفضاء من حولنا، لا على المواضيع فيه. تتواجد المساحة في كل مكان: بين الأشياء، وحول الأشياء. ولكن التبصر بها ليس بالأمر السهل وهذا عائد للطبيعة البشرية التي اعتادت النظر إلى الأشياء لا إلى محيطها. فنحن دائما ما نقوم بالنظر إلى الأشياء لكون هذه الأشياء أو التكوينات هي ما تحمل معنى أو مبدأً أو منطقا ما بالنسبة إلينا – ونادرا ما ننظر إلى هذه المساحة المحيطة بهذه التكوينات. على أن الفراغ والفضاء قد يثير الرعب في نفوسنا أحيانا ونتخذه دليلا على الوحشة والوحدة – ولهذا فالتحدي هنا هو النظر إلى المساحة وغض الطرف عن التكوينات داخل هذه المساحة، إضافة إلى صفاء الذهن بعيدا عن المنطقيات والمبادئ التي كونّاها مسبقا عن الفضاء والمساحات؛ كل ما هنالك للنظر هو: مساحة ما.
حاول أن تنظر بتأنٍ من حولك بما يقارب 180 درجة من اليمين إلى اليسار مثلا وكأنك تمسح المكان من حولك ضوئيا. قد تجد للبرهة الأولى بأنه من البديهي أن تقفز عيناك من موضوع إلى آخر وهذه هي الطريقة التي اعتاد عقلنا العمل بها: النظر إلى الأشياء. مع تكرار العملية سوف تتمكن شيئا فشيئا من التخلص من عقدة التكوين والأشياء والنظر من خلالهما إلى ذلك الشيء الذي يحوي هذه التكوينات.


الخاتمة

هذه نبذة فقط عن هذا الكتاب وما يحتويه من معلومات وأساليب للمساعدة على التأمل والتصوير. يأتي هذا الكتاب لمساعدة المصور على الارتقاء إلى مرحلة الفلسفة في التصوير بعد مرحلة النظرة الفنية للتصوير. قطعا لن يساعدك هذا الأمر في خلق صور تجذب كل الناس أو صور تقتنص المراكز الأولى في المسابقات الدولية، ولكن مجال هذا العلم هو أهم من هذا كله؛ فهو يتعلق بك، بشخصك، ببصيرتك.
يوجد هناك كتب أخرى تتحدث عن هذا المجال من التصوير ولكنني وجدت هذا الكتاب أفضلها ومليء بالأمثلة الحية من كل نوع من أنواع التبصر المذكورة أعلاه. هذا وقد اختصرت وتجاهلت الكثير من الأمور الحيوية، التي قام المؤلفان بالإسهاب بشرحها، لضيق المساحة. إن هذا المجال من التصوير فريد من نوعه كونه يبعث على التناغم ما بين فلسفة التأمل وتقنية التصوير الضوئي – والاثنان يكادان يكونان ضدان لبعضهما البعض؛ ومن الواضح جدا تأثر المؤلفان بالتعاليم البوذية وتعاليم الـزّن اليابانية وما إلى ذلك من الثقافات الآسيوية (وهما يذكران ذلك تلقائيان في كتابهما). أختتم هذه المقالة مع العلم إنني لم أوفِ بحق هذا المجال تماما، ولكن نظرة بسيطة قد تؤدي إلى إحداث تغير كبير في فكر القارئ ونظرته إلى عالم التصوير. هذا، وحتى نلتقي في المقالة القادمة إن شاء الله…