‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضوضاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ضوضاء. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 يناير 2018

الحساسية التأسيسية (Native ISO)…

سأتطرق في هذه المقالة البسيطة للحديث عن مبدئ كنت أجهله أنا شخصيا تحت تأثير الفهم الخاطئ لبعض خصائص المستشعر في الكاميرات الرقمية الحديثة. يطلق على هذا المبدأ اسم «الحساسية التأسيسية» (Native ISO)؛ والتعريب هنا من قبلي. سيكون جل الكلام والشرح هنا حول كاميرتي الخاصة، وهي كانون إيوس 7د، ولكن المبدأ عام لجميع الكاميرات الرقمية تقريبا. ولكن قبل الغور في تفاصيل هذا المبدأ وكيفية فحص الكاميرا الرقمية لإيجاد هذه الحساسية التأسيسية (ولماذا نحتاج معرفتها)، لنتطرق أولا إلى تاريخ تطور الحساسية في الكاميرات.

ما هي الحساسية؟

الحساسية في الكاميرات الحديثة غالبا ما يكون تعبير لاستيعاب المستشعر للضوء، لا سيما الخافت منه. والحقيقة هي أن هذا التعبير وتخيل الأمر بهذه الطريقة أنما هو أمر مجاز وقد وُرث من عالم التصوير الكلاسيكي بالأشرطة الحساسة أو الأفلام.
كان التصوير فيما مضى يعتمد على الأفلام والتي تكون معنونة بدورها ببعض الأرقام الخاصة الدالة على مدى حساسية مكوناتها الكيميائية للضوء. فكلما كبر هذا العدد كلما ازدادت هذه الحساسية. كمثال على ذلك: لو أن صورة ما قد التقطت بشريط حساس معنون بمقدار (200) بزمن يعادل الثانية الواحدة، فإن التقاط ذات الصورة بشريط آخر معنون بمقدار (400) مثلا سيتطلب نصف الثانية، مع ثبات قيمة فتحة العدسة في الحالتين. وهذا بالطبع هو مبدأ الوقفات أو الخطوات فيي قياس مستويات الضوء في فن التصوير وكنا قد تحدثنا عنه في مقالات سابقة.
كما نرى في المثال السابق، فإن ازدياد الحساسية للشريط يؤدي إلى تسريع الزمن المطلوب لالتقاط الصورة، بشكل عام. يحدث هذا مع بعض الزيادة في الضوضاء نتيجة التفاعل الكيميائي في هذه الأشرطة أو الأفلام، مع العلم أنها كانت في كثير من الأحيان شيء مقبول وقد أُوْجدت الأدوات المناسبة للتحكم بهذه الضوضاء قدر المستطاع.
انتقل هذا المبدأ وطريقة التفكير عند التحول إلى النظام الرقمي واستخدام المستشعرات الإلكترونية محل الأشرطة الحساسة لالتقاط الصورة، فاصبح يطلق تعبير «حساسية المستشعر»، وهو في الحقيقة تعبير مجاز عار من الصحة التقنية لكيفية عمل المستشعرات، حيث أن المستشعرات لا تتحسس الضوء وأيضا لا تتغير في داخل الكاميرا، ولكن العملية كلها مبنية على أساس تكبير الإشارات الإلكترونية (Amplification) كما هو الحال عند تكبير الصوت في التلفاز أو السماعات أو ما شابه ذلك للإشارات الموجودة من حولنا. فالضوء يثير بعض الإشارات الإلكترونية في المستشعر، فيقوم المستشعر بتمرير وتعديل هذه الإشارات بحسب الإعدادات المضبوطة من قبل المستخدم. والحقيقة أن عملية التكبير هي ليست العملية الوحيدة التي يقوم المستشعر بعملها لهذه الإشارات كما سنرى. وجدير بالذكر بأن مصطلح (ISO) والذي يُلفظ غالبا بين المصورين العرب بشاكلة «آيزو»، هو مصطلح تم تقديمه مع الكاميرات الحديثة، حيث قام صناع الكاميرات بالموافقة والمواءمة بين شدة الحساسية في الأشرطة الحساسة الكلاسيكية وبين عمل المستشعر في تكبير الإشارات وتم إلصاق مصطلح «آيزو» بجانب هذه القيم للدلالة على عملية التعيير. فكأنما عند قولنا: آيزو 200، كأننا نقول: تكبير المستشعر المكافئ لشريط ذو حساسية مقدارها 200.

خطأ في المبدإ

طالما نقرأ (أو نتعلم) الحقيقة القائلة بأنه يجب على المصور استخدام الحساسية الأقل قدر المستطاع لتجنب الضوضاء الرقمية في الصورة قدر الإمكان. هذا الأمر صحيح، ولكن أقل حساسية في الكاميرا قد لا تكون هي الأقل تشويشا في الحقيقة. كنت في السابق، عندما أقرا أو أسمع عن مصطلح «الحساسية التأسيسية» (أي Native ISO) يتبادر إلى ذهني فكرة بأن هذه الحساسية يُعنى بها الحساسية الأقل في الكاميرا، وهذه الفكرة خاطئة تماما. فالحساسيتان مختلفتان تماما. مع الشرح اللاحق سوف يتضح سبب وصفي لها بـ «تأسيسية».
لاستيضاح الأمر أكثر، علينا أن نحلل طريقة عمل المستشعر قليلا. والحقيقة هي أن الحساسية كما نسميها نحن، هي عبارة عن 3 أنواع:
أ- تأسيسية: وهي الحساسية الصرفة للضوء كما يراه المستشعر دون أي عمليات تعديل أخرى.
ب- محاكية: وهي التي تحاكي طريقة رؤية المستشعر للضوء عن طريق بعض الخوارزميات المعتمدة أساسا على قيمة الحساسية التأسيسية؛ أي بطريقة البرمجيات.
ج- تكبيرية: وهي التي تتكون نتيجة تكبير الإشارات الناتجة عن الضوء في المستشعر، وتعتمد كذلك على الحساسية التأسيسية لتعيين مقدار التكبير المطلوب للوصول إلى النتيجة المرجوة أو إلى شدة الحساسية المطلوبة.

وهكذا نرى بأن الحساسية التأسيسية (أو الأصلية) هي الأساس في عمل الكاميرا وطريقة حساب أو محاكاة استشعار الضوء. قد يكون من المنطقي التفكير في كون أقل قيمة للحساسية في الكاميرا هي القيمة التي تبنى عليها جميع الحساسيات الأخرى بالتكبير، ولكن الأمر هنا يختلف ومعقد بعض الشيء، والحقيقة هي أن الحساسية التأسيسية، والتي تكون دون أي عمليات تكبير أو محاكاة، هي ليست الأقل قيمة في الكاميرا لأسباب تقنية. ولعل الأمر يرجع لأسباب تصنيعية وعلمية بحتة خاصة بعالم المستشعرات.

معرفة الحساسية التأسيسية

قبل الخوض في عملية الاختبار هذه والتعرف على قيمة الحساسية التأسيسية للكاميرا موضع السؤال، يمكن لعزيزي القارئ البحث في الشبكة عن هذه المعلومات تحت مسمى (Native ISO)؛ وللأسف فإن هذه المعلومات غير متوفرة باللغة العربية كما يبدو. سيكون هذا البحث وافيا لمعرفة قيمة هذه الحساسية للكاميرا موضع السؤال ولكن قد يختار صاحب الكاميرا التحقق من الأمر، وفي أحيان أخرى قد تكون المعلومات في الشبكة متضاربة وغير واضحة، وهكذا سيضطر المستخدم إلى البحث بنفسه.
إن عملية الاختبار بسيطة جدا، ولكن جل العمل سيكون في تحرير وتعديل الصور الملتقطة، ولهذا سنحتاج إلى التقاط الصور بصيغة السالب الرقمي (أو الراو RAW)، وكذلك العمل بمحرر السالب الرقمي التابع لبرنامج الفوتوشوب (أو أي برنامج آخر إذا فضّل المستخدم ذلك). سنقسم العمل إلى قسمين: عمل الكاميرا، وعمل الفوتوشوب أو المحرر.

أ- العمل في الكاميرا
لا يتطلب هذا الاختبار الكثير. يمكن التقاط الصور من دون عدسة (مع وضع الغطاء على الكاميرا) أو مع عدسة ما ويكون غطاؤها موضوعا على المقدمة مع عدم تفعيل خاصية ضبط التركيز الآلي (AF)بكلمات أخرى، سنلتقط صورة سوداء في جميع الأحوال. من الضروري العمل في مكان بارد (داخل المنزل) قدر الإمكان حيث أن زيادة الحرارة تعني زيادة الضوضاء الناتجة عن الحرارة وقد يشوش هذا الأمر في المعاينة لاحقا. يُفضل كذلك أن تكون الذاكرة خالية من الصور السابقة ولكن هذا الأمر ليس ضرورة تقنية وإنما لتفادي الالتباس أو ما شابه ذلك عند معاينة الصور لاحقا. ولا ننسى كذلك أهمية أن يكون المستشعر نظيفا وكنا قد تحدثنا سابقا عن عملية التنظيف هذه. والآن، نأتي على ذكر الخطوات مع التذكير بأهمية التقاط الصور بصيغة السالب الرقمي (RAW):
1. نقوم أولا بتثبيت الكاميرا على الوضعية اليدوية (M).
2. نقوم بضبط الوقت أو سرعة الغالق على ثانية واحدة.
3. لا تهم فتحة العدسة هنا ولذا فيمكن ضبطها بأي قيمة كانت (هذا لو كانت موضوعة على الكاميرا فعلا).
4. نقوم بضبط الحساسية إلى أقل قيمة ممكنة (وهي بقيمة 100 في أغلب كاميرات الكانون).
5. نبدأ بالتصوير الآن والتقاط صورة بمدة مقدارها ثانية واحدة (وستكون سوداء طبعا).
6. نقوم برفع الحساسية بمقدار ثلث خطوة، وهو ما يعني مقدار حركة واحدة على عجلة الضبط، حيث سترتفع الحساسية من 100 إلى 125. هناك بعض الكاميرات التي يكون الضبط فيها بمقدار نصف خطوة ولكن لا داعي للولوج في هذه التفاصيل والمهم هنا هو كيفية العمل.
7. نقوم بالتقاط صورة أخرى.

نداوم بعدها على تكرار الخطوات (6) و (7) ويكفي أن نصل إلى مقدار 400 من الحساسية أو ما بعدها بقليل، ولا داعي لالتقاط الصور لكل قيم الحساسية التي توفرها الكاميرا (ولكنها قد تكون نافعة لدراسة أخرى). نلاحظ هنا باننا لا نضبط المستوى الأبيض (WB) حيث أنه غير مهم عند التقاط هذه الصور. عند هذا الحد يكون قد انتهى عملنا في الكاميرا، وعلينا الآن رفع الصور على الحاسوب.
ب- العمل في الحاسوب
في هذه المرحلة سنقوم بفتح الملفات دفعة واحدة في برنامج الفوتوشوب (والذي بدوره سيفتحها تلقائيا في برنامج محرر السالب الرقمي ACR التابع له). وسنقوم ببعض التعديلات في هذه الصور السوداء حتى نستبين درجة التشويش، ولن يهمنا هنا أي شيء آخر (فالصورة سوداء أساسا!). بعد القيام بفتح الملفات جميعها دفعة واحدة وظهور نافذة العمل لمحرر السالب الرقمي نقوم بهذه الخطوات:

اختيار جميع الصور أو ملفات السال الرقمي عند الفتح دفعة واحدة، ويكون هذا إما بالنقر على ملف ما ثم كبس تحكم+A لاختيار الجميع، أو بالكبس على تحكم والنقر على كل ملف، ويمكن كذلك النقر على أول ملف وكبس زر العالي ثم النقر على آخر ملف فيتم اختيار جميع الملفات في المنتصف.
أنقر للتكبير


1. علينا أولا اختيار الصور الظاهرة على اليسار جميعها عن طريق النقر على «اختيار الكل» (Select All)، وبهذه الطريقة ستُعمم التغييرات المستقبلية في الصورة الواحدة على الكل.
2. نقوم برفع التعريض (Exposure) إلى أقصى حد.
3. نقوم بخفض مستوى الأسود (Blacks) إلى الصفر.
4. نقوم برفع السطوع (Brightness) إلى أقصى حد.
5. نقوم برفع التباين (Contrast) إلى أقصى حد.

الخطوات المذكورة أعلاه موضحة على نافذة محرر السالب الرقمي. يشير المؤشر الأخضر إلى قراءة الحساسية للصورة قيد الاختيار وهي الأولى هنا حيث أن الحساسية لها هي 100. نلاحظ كذلك وجود دائرة صغيرة في الزاوية اليمنى السفلية داخل كل إطار للصور على اليسار وهذه العلامة تدل بأن الملف قد تم تعديله. كما نلاحظ، فإن جميع الصور مظللة مما يعني اختيارها وجميع التعديلات المذكورة قد شملتها.
أنقر للتكبير


بعد هذه الخطوات الأساسية سوف تتكون لدينا صور يغلب عليها اللون الأحمر ولربما مع بعض التشبع. يكفينا أحيانا النظر إلى الصور المصغرة في الجهة اليسرى من النافذة حتى يتبين لنا مستوى الضوضاء في كل منها بشكل عام. إن لم يتيسر ذلك فيمكننا عمل قطع (Crop) لمنطقة ما من منتصف الصورة (مع اختيار الكل كذلك لتعميم القطع)، ثم ضبط التقريب إلى 100% لمعاينة كل صورة على حدة. يمكن بعد ذلك النقر على كل صورة ومعاينتها وفحص درجة التشويش أو الضوضاء. قد يحتاج الأمر كذلك إلى بعض التروي وحدة النظر لملاحظة الفروقات في درجات الضوضاء. أقل هذه الصور ضوضاء تكون هي الصورة ذات الحساسية التأسيسية والتي يفضل استخدامها في الأحوال الاعتيادية للتصوير

مقارنة بين مستوى الضوضاء في أول 3 صور بتكبير 100% (أنقر للتكبير).
نلاحظ هنا بأن حساسية 125 أشد تشويشا من الأخريات؛ فالبقع البيضاء كثيرة والخطوط العمودية أشد وضوحا. عند معاينة حساسية 160 ومقارنتها بحساسية 100 نلاحظ المفاجأة: الخطوط العمودية أقل وضوحا فيها منها في حساسية 100 مع قلة تردد البقع البيضاء إلى حد ما. جدير بالذكر بأنه تم تغيير فضاء الألوان هنا إلى sRGB وبهذا يقل تشبع الألوان وتتضح الفروقات أكثر.
هذه الصورة كبيرة الحجم وقد تحتاج إلى بعض الوقت للتحميل عند النقر عليها.
 

الخاتمة

ينتهي عند هذا الحد العمل وقد لا يحتاج المستخدم إلى كل هذا العمل ببحث بسيط يقوم به في الشبكة للحصول على هذه المعلومات. وغالب الظن هو أن الشركات العالمية المصنعة لهذه الكاميرات تقوم باستخدام حساسية تأسيسية موحدة لجميع أنواع الكاميرات المصنعة من قِبلها، ولكن الفحص للتأكد لا يضر. بالنسبة لكاميرات كانون عامة، فإن المتعارف عليه هو أن حساسية مقدار 160 هي الحساسية التأسيسية لمعظم كاميرات الكانون إن لم يكن جميعها.
ما الفائدة من معرفة هذه القيمة؟ الفائدة بسيطة جدا وواضحة: الحصول على نقاوة أفضل مع استثمار سرعة الغالق، حيث ستكون سرعة الغالق أسرع مما هي عليه عند أدنى حساسية ممكنة في الكاميرا (بمقدار ثلثي خطوة في حالة كاميرات الكانون). هذه الزيادة في الحساسية، وإن كانت بسيطة، مع ثبات مستوى الضوضاء أو حتى تقليله عما قبله من المستويات في حالات الحساسيات الأقل، سيكون له الأثر الواضح في تيسير عملية التصوير نسبيا لا سيما عند العمل مع الومّاضات (وعند العمل في مجال التصوير السريع خصوصا). نظريا، كذلك، يمكن الافتراض بأن الخطوات الكاملة ابتداءً من الحساسية التأسيسية ستكون الضوضاء المصاحبة لها أقل من الحساسية السابقة لها والتالية لها. مثال من كاميرات الكانون بحساسية تأسيسية 160: 320 (خطوة أولى)، 640 (خطوة ثانية)، 1280 (خطوة ثالثة)… وهكذا – عند هذه الحساسيات نتوقع أن الضوضاء فيها ستكون أقل من السابقة لها مباشرة بثلث خطوة ومن التالية لها مباشرة بثلث خطوة. جدير بالذكر بأن هناك من يقوم بعملية الاختبار هذه عن طريق تسجيل الفيديو في الكاميرا بدلا من الصور، يمكن مشاهدة هذا المقطع هنا لمقارنة الحساسيات المختلفة لكاميرا كانون إيوس 7د. يتضح من هذا المقطع، مرة أخرى، بأن حساسية 160 أقل ضوضاء من حساسية 100 و 125. في هذه المقالة كان العمل محدودا إلى مستوى 400 من الحساسية ولكنّي أشجع القارئ العزيز على فحص باقي السلسلة بطريقة التصوير أو بطريقة الفيديو إذا أمكن حتى يكوّن صورة واضحة عن إمكانات كاميرته الخاصة. أرجو أن تكون هذه المقالة البسيطة قد حازت رضى القارئ العزيز، هذا وحتى نلتقي في مقالة أخرى إن شاء الله تعالى…

Stock Photos from 123RF Stock Images

الجمعة، 16 مايو 2014

التصوير الليلي…

تكلمت في المقالة السابقة بشكل موجز عن التصوير الليلي، وأحببت هذه المرة أن أسهب بعض الشيء بهذا الخصوص. هناك بعض الكتب التي تخصصت في التحدث عن هذا الموضوع بشكل مفصل، بالأخص فيما يتعلق باستخدام الأفلام للتصوير المطوّل ليلاً. والحق يقال، إن الأفلام لها خصائصها التي تتفوق على خصائص المستشعر الإلكتروني في بعض النواح، ولكن من جهة أخرى، فإن التعامل معها الصعب. سأستعرض هنا بعضا من تجاربي الخاصة وبعضا مما قرأته شخصيا ولم أتمكن من تجربته.

فيلم أم مستشعر؟

  لم أكن في يوم من الأيام أتخيل نفسي متمنيا العمل مع الأفلام القديمة، فأنا أنتمي في الأساس إلى جيل إلكتروني! التصوير بالأفلام كان مجرد ذكريات (لعل آخرها كان عندما بلغت السادسة عشر). هذا الحنين إلى الماضي راودني عندما بدأت بالقراءة عن الأفلام وتاريخ التصوير بالأفلام، وفي الحقيقة إن هذا الفن لا يزال حيا ولم يمت بالرغم من التقدم التقني في الكاميرات الرقمية. لنستعرض مزايا الأفلام ونقارنها بما يقابلها من ناحية المستشعرات الإلكترونية:

1. الأفلام أقل تأثرا بالحرارة، بعكس المستشعرات التي، وبحسب حجمها وحجم المستقبلات عليها، قد تزيد الضوضاء فيها بشكل مزعج جدا عند أقل ارتفاع لدرجة الحرارة.

2. أفلام الأسود والأبيض بالأخص لديها خاصية التباين (Contrast) والتحكم بهذا التباين عن طريق التحميض، بينما الصور الرقمية (السالب الرقمي بالذات) يغلب عليه التباين المنخفض (وليست مشكلة في الحقيقة).

3. الضوضاء في الأفلام محدودة ويمكن التنبؤ بها وتنظيفها بشكل أفضل من الصور الرقمية التي يتولّد فيها نوعان من الضوضاء: الضوضاء الإنارية (Luminance Noise) والضوضاء اللونية (Chrominance Noise)؛ والثانية يصعب تنظيفها في معظم الأحوال.

من جانب آخر، فإن العمل مع الأفلام ليس بالشيء السهل، وهنا يكمن السر في انتشار الكاميرات الرقمية بشكل عام وليس للتصوير الليلي المطول فقط. ذلك لبعض الأسباب:

1. حساب فترة التعريض في الكاميرات الرقمية يتم بشكل أسهل مما هو عليه عند استخدام الأفلام.

2. كما وضعها أستاذي العزيز لي في يوم من الأيام: إن لم تكن أنت من يتولى تحميض أفلامك بنفسك فلا تتوقع عملا فنياً. ذلك لأن تحميض الأفلام هو فعلا كالعمل مع تطبيقات الحاسوب لتحسين الصورة الرقمية ولكنه عمل كيميائي بحت. فكما على المصور متابعة صوره في تطبيقات الحاسوب، كذلك هو الحال في تحميض الأفلام.

3. التحميض يتطلب وقتا ليس بالقصير لتعلمه بعكس الحال مع تطبيقات الحاسوب.

4. بعكس الكاميرات الرقمية، فإن المستوى الأبيض للفيلم لا يمكن تغييره بحسب الاختيار، بل يجب انتقاءه بدقة لمختلف الحالات والمواقف.

5. في أغلب الأوقات، يتطلب الأمر تحويل الفيلم إلى صورة رقمية من خلال عملية المسح الضوئي (Scanning) لتسهيل عملية التحكم في مقدرات الصورة وتحسينها.

6. عند التعريضات المطولة كثيرا تتعرض الأفلام لما يسمى بحالة «الفشل العكسي»، وهي حالة تُخرج الفيلم من قوانين التعريض العادية ويجب استطالة التعريض أكثر مما هو مفروض له، للتعويض عن النقص في كمية الإضاءة المسجلة في الفيلم (وهناك شركات تذكر هذه المعلومات على الأفلام المصنعة).

7. التحميض عملية مكلفة وتحتاج إلى المكان المخصص للقيام بها.

من هذا كله (وأرجو أن لا أكون قد نسيت أي نقطة مهمة) يبدو إنه لا بد لنا في الوقت الحالي من التعلق بالكاميرات الرقمية والتفكير في عملية تحميض الأفلام في وقت لاحق! ولزاما مع ذلك تحمل الضوضاء الرقمية ومعالجتها قدر المستطاع.

لماذا؟

سألني البعض من قبل، لماذا أقوم بالتصوير الليلي مع قدرتي على التصوير في وضح النهار بشكل اعتيادي؟ الجواب على هذا السؤال قد يكون مركبا بعض الشيء ولكن سأحاول تبسيطه بالقليل من الكلمات.

1. المناظر الليلية تختلف عنها في النهارية حتى لو كانت لنفس المكان ولو كانت الصورة بنفس الزاوية.

2. توفر المناظر الليلية إحساسا مختلفا عما هو عليه في النهار. قد يختلف هذا الإحساس طبعا من بيئة إلى أخرى ولكنه قطعا سيكون غير ما هو عليه نهاراً.

3. للتصوير الليلي بالنسبة لي متعة شخصية، حيث إنه يوفر لي بعض الهدوء والسكينة (بالأخص شتاءً)، ولو كانت بعض الأماكن قد تكون مزعجة ليلا كما هي نهارا!

ولكن الاستعداد للتصوير في الليل ليس بالأمر الذي يُستهان به (خصوصا لشخص مصاب بتلف الشبكية الصباغي Retinitis Pigmentosa مثلي)*، لذلك فإنني أحرص على معرفة المكان الذي أخطط للتصوير فيه مسبقا وأحاول كذلك معرفة طبيعة الأرض لتجنب المفاجآت ليلا حيث الإضاءة خافتة جداً، والحق يقال، بأن اعتمادي الكلي في حركتي يعتمد على أُذُنَي ويديّ ورجليّ، ولذا تكون حركتي بطيئة جداً حتى أعتاد المكان الذي أنا فيه من غير استخدام عينيّ بشدة. بشكل عام هناك بعض النقاط التي يتخذها هواة التصوير الليلي كدليل في العمل:

1. التصوير الليلي يتطلب التعريض الطويل الأمد، لذا فإن الحامل شيء أساسي. يفضل الحامل المزود بخُطّاف من الأسفل وهذا مفيد جدا لزيادة الثبات في الأجواء العاتية إذا ما تطلب الأمر ذلك، حيث يمكن للمصور أن يعلق أي ثقل ممكن (حقيبة الكاميرا مثلاً). ويفضل كذلك أن يُستعمل الحامل من دون إطالة الرقبة أو العمود الأوسط في الحامل لأن هذه الوضعية تكون حساسة لاهتزازات الريح.

 
الخطاف من أسفل الحامل لتعليق أي ثقل للكاميرا.

2. تنظيم العدة لتسهيل الوصول إليها من دون الاستعانة بالبصر. هذا سيوفر الكثير من الوقت الذي من الممكن ضياعه في البحث.

3. لبس الملابس المناسبة للجو بالأخص عند التخطيط للتصوير لمدة طويلة (قد تطول لساعات أحيانا).

4. جهاز التحكم بالكاميرا جزء أساسي من عملية التصوير، ويفضل جهاز التحكم المزود بعدة خصائص للقيام بعدة عمليات إن تطلب الأمر ذلك، فهذا يزيد من فرص الإبداع لدى المصور أحيانا. يسمى هذا الجهاز عادة بالـ (Intervalometer)، وسأعربه هنا إلى «المؤقـِّـت». ليعلم عزيزي القارئ بأنه عند البحث عن جهاز من هذا النوع عليه التأكد من ملائمة هذا الجهاز لكاميرته من حيث طريقة التوصيل وما إلى ذلك.

المؤقـِّـت.

قابس التوصيل للمؤقِّت وهو من نوع (80N3)، وهو مناسب لعدد من كاميرات كانون مثل: 7د، 1د، 5د، وأخريات.


5. يفضل بعض المصورين جلب بعض الحلقات المطاطية أو شريط لاصق لتثبيت سلك جهاز التحكم بالحامل لمنع اهتزازه أثناء هبوب الريح، لأنه بهذا قد يتسبب باهتزاز الكاميرا معه. والحق يقال، إنني لم أفعل هذا قط ولكن الحذر واجب!

6. يفضل جلب شيء للتسلية حيث أن الوقت قد يطول جداً. قد يكون الأمر مملا ويفقد المصور حماسته للعمل إذا لم يكن هناك شيء للتسلية. التصوير من المفترض أن يكون عملا مسليا في الأساس! وإن تطلب الأمر فكرسي قابل للطوي فهذا يُعتبر خيارا جيدا كذلك ولكنني أعتني بخفة تنقلي ولا أحاول أن أضع الكثير على عاتقي.

7. في عملي أفضل استعمال نوعين من المصابيح اليدوية: الأول يكون المصباح اليدوي العادي (كلما كان أقوى كان ذلك أفضل)، والثاني يكون مصباح ذو قوة أضعف نسبيا وأفضله من نوع الصمامات (LED)، وسأعربه هنا إلى «ص.ضأي «صمام ضوئي». السبب في هذا هو إنني استخدم الأول في الاستدلال على الطريق والمشي حتى الوصول إلى المكان وكذلك أثناء تجهيز العدة. أما الثاني فيكون بعد الانتهاء من تجهيز العدة وأثناء العمل إن تطلب ذلك، وهذا لتفادي دخول أي ضوء غير مرغوب به إلى العدسة بالخطأ وكذلك لاستبقاء بؤبؤ العين متكيفا مع الظلام (لأن الضوء الشديد سيجعل البؤبؤ يضيق وعلى المصور الانتظار حتى تتكيف العين مع الظلمة مرة أخرى).

المصابيح التي استخدمها أثناء عملي ليلا: مصباح يدوي (يمين)، ومصباح صمامات ضوئية (يسار).


هذا فيما يختص بالتأهب للتصوير الليلي، وسأنتقل الآن إلى عملية التصوير نفسها.

* تلف الشبكية الصباغي هو مرض وراثي متفاوت الدرجات بين المصابين به، حيث يبقي الشبكية والتي هي بمثابة المستشعر في الكاميرا، غير حساسة للضوء مما يحد من مجال الرؤية، وقد يتطور إلى العمى مع تقدم العمر.

عملية التصوير

قد لا يكون هناك طريقة واحدة لسرد ما يمكن تصويره ليلا، فكما يقال «للضرورة أحكام» أحيانا، ولهذا لا يوجد قوانين أو طرق موحدة للتصوير ليلا. ولكن سأسرد هنا ما أقوم به شخصيا على الأقل. إن الأمر أولا وآخرا هو محل اختلاف بين المصورين ويخضع للتفضيلات الشخصية. سيستغرق الأمر وقتا حتى يجد المصور أسلوب عمل يرتاح له. ها هنا بعض النقاط:

1. كما أسلفنا، عند الوصول إلى الموقع وتجهيز الكاميرا والحامل، يفضل استخدام الإضاءة الضعيفة (الصمامات الضوئية مثلا).

2. اختيار العدسة المناسبة. قد يطول الشرح في هذا المقام، ولكن من المعتاد استخدام العدسات ذوات الزوايا الواسعة لإنها بالغالب الأنسب لتصوير المساحات بشكل عام (وهي العدسات التي يكون بعدها البؤري أقل من 50مم). قد يكون إظهار تفاصيل القمر مهما للمصور ولذا يجب اختيار البعد البؤري المناسب حتى لا يظهر القمر صغيرا جدا بالنسبة للمشهد ككل. هذا لا يعني طبعاً أن عدسات 50مم وما فوق ليست بالمناسبة، فالكل يتحدد عند التخطيط ويعتمد على ماهية الصورة المطلوبة.

Ausstrahl (إشعاع)
روكينون 8مم عين سمكة، ب/11، دقيقة، ح100.
لاحظ كيف يبدو القمر كالنجمة في السماء وذلك لصغر البعد البؤري، حيث تبدو الأبعاد مبالغ بها.

3. التعريض المناسب. ذكرنا في مقالة سابقة كيفية التعريض عند استخدام الكاميرات الرقمية الحديثة والتي تجعل حساب الزمن اللازم للتعريض أمرا سهلا نسبيا، ولا ضير من ذكر المعادلة مجددا:

ز1=ز2×(ح2÷ح1)؛

حيث «ز1» هو زمن التعريض المطلوب حسابه تحت حساسية المستشعر الأدنى، و«ز2» هو زمن التعريض المُعَيّن تحت الحساسية الأعلى، و«ح2» و«ح1» هما الحساسيتان العليا والدنيا على التوالي.
هذه قد تتخذ كبداية للعمل حيث أنه هناك اعتبارات أخرى قد يتخذها المصور مثل السعي إلى إظهار التفاصيل على القمر (إن وُجد) أو تواجد تفاوت كبير في إضاءات المنطقة مما يتطلب أكثر من لقطة لتكوين صورة ذات نطاق عال. القرار بيد المصور أولا وآخرا ولا يوجد قاعدة موحدة لِما يتوجب عمله.

Hinter der Schatten (خلف الظلال)
روكينون 8مم عين سمكة، ب/8، 15 دقيقة، ح100.
معدلة بالحاسوب. لاحظ ظل الكاميرا والحامل
(وبعض النفايات التي لم ألاحظها مسبقا)
لم يكن الظل واضحا عند التقاط الصورة في الموقع.
4. في كثير من الأحيان سترى بعض التفاصيل في الصورة النهائية لم تكن تجدها في مرحلة التجربة والتعريض، لعل من أبرز هذه التفاصيل سيكون ظلك! هذه مشكلة تتكرر بالنسبة لي شخصيا حيث إنني، وبسبب تجنب إضاءات المدينة، أوجه الكاميرا إلى الظلام تاركا أضواء المدينة خلفي، مما يُسقط ظلي على المشهد المراد تصويره أمامي. الظل بدايةً لا يكون ملحوظا وخافتا بحسب درجة وبعد إضاءة المدينة ولكنه يكون بارزا بشكل قطعي في الصورة النهائية. قد يكون التحرك في الموقع وسيلة لعدم تسجيل ظل المصور بشكل بارز في المستشعر ولكن هذا لا يزيل ظل الكاميرا والحامل طبعاً. لعل الحل الأنسب هنا هو عدم استعمال عدسة واسعة جدا، ولكن من الممكن كذلك التصويب (إذا أمكن) إلى ناحية أخرى غير موقع سقوط الظل، أو من الممكن جعل الظل جزءاً تركيبيا من الصورة. هناك بالطبع محاولة معالجة الأمر ببرنامج الفوتوشوب عن طريق النسخ (Clone) ولكنه يتطلب مهارة كبيرة والكثير من الوقت أحيانا وهو ممكن، ولكن ليس دائماً. الحل الأكثر «عنفا» هو بتر الصورة أو قطعها لإزاحة الظل نهائيا.

Υπήρχε (كان هناك)
في هذه الصورة من جزيرة فيلكا، والتي استغرقت 9 دقائق، لم استطع التخلص بسهولة من ظل سيارتي والكاميرا، فاضطررت لقطع الصورة على شكل مربع.




5. بالرغم من استخدامي لمستوى التنجستين (Tungsten WB) لتعيين المستوى الأبيض ليلا (لإضفاء زرقة على السماء) أو مستوى الفلور (Fluorescent WB)، ولكن هذه الاختيارات قد تسبب الكثير من المشاكل في المناطق التي تكثر فيها الإضاءات المختلفة. وبالرغم من إن التصوير بالسالب الرقمي (الراو) يعطي بعض المرونة في تعيين المستوى الأبيض لاحقا عند تحسين الصورة بالحاسوب ولكن هذا الخيار قد يوقع المصور في حيرة حيث أن ضبط لون ما سيؤثر على آخر وهكذا. الحل الأنسب هو استخدام قرص المستوى الأبيض وتعيين المستوى الأبيض في الكاميرا عن طريق التخصيص (Custom WB).وسيأتي الشرح عن هذه الطريقة. فالأفضل هو استعمال هذه الطريقة، ومن ثم تغييرها لاحقا عند تحسين الصورة بالحاسوب حسب الذوق. علي الاعتراف هنا بأنه لم استخدم هذه الوسيلة كثيرا في خضم العمل المتواصل! كما قد يؤثر المستوى الأبيض (ولو بشكل غير حاد) في مدة التعريض في بعض الأحيان، وهذا سبب آخر لموازنة اللون الأبيض بشكل جيد.

Geistersnacht (ليلة الأشباح)
لاحظ اللون الأخضر بسبب استخدام مستوى التنجستين.

Träumesnacht (ليلة الأحلام)
نفس الصورة السابقة بعد تعديل المستوى الأبيض بالحاسوب.




6. قد ينصح الكثير من المصورين بتشغيل خاصية تقليل الضوضاء في الكاميرا (Noise Reduction). أنا شخصيا لا أعتمد على هذه الخاصية وسيأتي الحديث عنها في «الضوضاء».

تخصيص المستوى الأبيض

Mitternachts Dusche (وابل منتصف الليل)
روكينون 8مم عين سمكة، ب/8، 6 دقائق، ح100.
تم التقاطها بعد ضبط المستوى الأبيض بقرص المعايرة.
لتخصيص المستوى الأبيض عند التصوير ليلا يفضل دائما اصطحاب قرص معايرة اللون الأبيض. يتوفر هذا القرص بأشكال وأنواع مختلفة، وبعضها يُثبت على مقدمة العدسة (ولذلك فإن معرفة قطر العدسة أمر مهم عند شراء هذا النوع من الأقراص). بالنسبة لي فإنني أستعمل قرصاً مرناً لا يثبت على مقدمة العدسة ولكنه يدوي. يتم حمل هذا القرص أمام العدسة والتقاط صورة (لا يهم ما هي وضعية المستوى الأبيض الابتدائية). لا يهم مدى وضوح الصورة بتاتا، ما يهم هو تخلخل الإضاءة من خلال القرص ووصولها إلى العدسة، ولتسريع العملية ليلا فيمكن التقاط الصورة بحساسية مرتفعة. تُعيّن هذه الصورة بعد ذلك كمصدر لمعايرة المستوى الأبيض. هذه الطريقة تتيح لمختلف الإضاءات الموجودة في المكان المساهمة في موازنة اللون الأبيض للكاميرا. قد لا يكون ذلك صحيحا تماما ولكن بطريقة الأخذ بالمعدل على الأقل.

قرص معايرة المستوى الأبيض (من إنتاج Vello)

طريقة وضع القرص أمام العدسة والتقاط الصورة
يجب تحويل العدسة إلى نظام التركيز اليدوي عند استعمال هذه الطريقة.

خيار تخصيص المستوى الأبيض في قوائم الكاميرا.


التلوين الضوئي

حقيقة إنني لم أجرب هذا العمل الفني شخصيا، ولكنه قد يكون سهلا عند توفر شخصين للعمل معا على لقطة ما. أبدع المصورون في هذا المجال كثيرا لا سيما لتوافر الإضاءات المختلفة التي يمكن حملها باليد. صعوبة هذا الفن تكمن في عشوائيته وعدم القدرة على التنبؤ بالنتائج. ولكنه فن سيريالي إن صح التعبير، ومن المفترض أن يتجرد من المنطق ولو قليلا!
يفضل عند العمل لبس الملابس السوداء دائما وذلك لتفادي انعكاس أي ضوء إلى الكاميرا عن طريق الخطأ. والتمرين قبل العمل مفيد كذلك حيث أن وقت التلوين أو الرسم الذي يقوم به المصور (أو مساعده) محدود بالمدة الزمنية المقدّرة للتعريض المفترض للّقطة. أما التجارب التي يمكن أداؤها في هذا الفن فكثيرة على أن تُحصر؛ فمنها التلوين أو الرسم في الهواء، أو تلوين الأبنية بالومّاض (مع وضع بلاستيك ملون على الومّاض) أو تلوين الأشياء بمصباح صمامات ضوئية. نظراً لكون اهتماماتي تصب في تصوير المساحات أكثر منها في تصوير هذا النوع من الفن فإنني لم أجربه كثيراً، ولكنني كنت لأفضل مساعدا يقوم بهذا العمل وقيامي بالتصوير حتى يكون التركيز في العمل أكثر. على المصور (والمساعد إن وُجد) أن يُركز في مدى العدسة وعلى أي مسافة من الكاميرا يجب أن يتم العمل.

الضوضاء

تكاد تكون هذه الكلمة مرادفة للتصوير الليلي، وخصوصا عند التصوير صيفا وفي بيئة كبيئتنا، حيث قد تصل درجة الحرارة ليلا إلى 40°س! (كلا، لا أبالغ، فالأمر تجربة شخصية).
ما هي الضوضاء؟ هي ببساطة تشويش يتكون في الصورة لأسباب عديدة متصلة مباشرة بالطبيعة الإلكترونية للمستشعر. يتم في بعض الأحيان إضافة الضوضاء عند العمل على بعض الصور بالحاسوب (بالأخص صور الأسود والأبيض) لإضافة إحساس مختلف وشد الانتباه أحيانا، ولكن الضوضاء الحقيقية قد تقلل من مستوى النقاوة للصورة ووضوحها (ويزيد الطين بلة إذا ما كانت العدسة من النوع الرخيص كذلك). تنقسم الضوضاء في التصوير الرقمي إلى نوعان هما:

1. الضوضاء الإنارية: وتكون على شكل حبيبات كأنها طبقة شفافة فوق الصورة.
2. الضوضاء اللونية: وتكون على شكل حبيبات ملونة تطفو على الصورة.

هناك العديد من العوامل التي تلعب دورا في زيادة الضوضاء بشكل عام، مثل زيادة حرارة الجو وسخونة المستشعر، ورفع حساسية المستشعر (وهنا تزيد الضوضاء اللونية بشكل ملحوظ). تقوم الضوضاء اللونية بالذات بسلب حدة وتشبع الألوان من الصورة بشكل ملحوظ علاوة على تشويهها، ولربما كان من الأفضل إبقاء الصورة بحجم صغير حتى تكون بمنظر مقبول.
كنا قد تكلمنا سابقا عن المستشعرات وبعض أنواعها وأحجامها، وهي تلعب دورا مهما هنا أيضا. لذلك فإن الضوضاء (بشكل ما) تكون علامة مميزة للكاميرا بحد ذاتها.
هناك بعض الحلول الرقمية لمشاكل الضوضاء وإن كانت لا تنفع في كل حالة ولكنها جديرة بالمحاولة. أنا شخصيا استخدم أكثر من برنامج لهذا الغرض وذلك لأن البرامج المختلفة تختلف في طريقة تحليلها للصورة والضوضاء وبالتالي تختلف في طريقة معالجتها وتصفيتها للصورة. هذه قائمة ببعض البرامج التي أجربها شخصيا:

1. نيك (NIK)، وهو يأتي على شكل حزمة (للتصفية وزيادة الحدة) ويضاف على برنامج الفوتوشوب لاستخدامه ضمنياً.

2. نويزنينجا (NoiseNinja)، وهو إما أن يكون على شكل تطبيق منفصل أو كإضافة للفوتوشوب.

3. نيت إمِج (NeatImage)، وهو كسابقه، يكون إما منفصلا أو كإضافة.

4. راوثيراپي (RawTherapee)، وهو تطبيق مجاني متكامل لتعديل ملفات السالب الرقمي ويمتلك العديد من القدرات. لم أستخدم هذا التطبيق كثيراً ولكنه واعد. سبب عدم استخدامي له كثيرا هو تواجد الكثير من التخصيصات والخيارات التي تحتاج إلى الوقت للتعلم والاعتياد عليها، ولكن إذا ما تم ذلك، فإن المصور سيمتلك بين يديه كنزاً قد يغنيه عن الكثير مما يوفره الفوتوشوب نفسه.

من الأساليب المتبعة كذلك لطرح أو إزالة الضوضاء من الصورة، وهي مفيدة في حالة الضوضاء التي تسببها الحرارة، هي طريقة تسمى بالـ«الشريحة المظلمة» (Dark Frame). تقضي هذه الطريقة بأن يصور المصور صورة مع وضع غطاء العدسة تحت نفس درجة الحرارة ولنفس المدة الزمنية للصورة المراد تنظيفها. تُؤخذ هذه الصورة لاحقاً وتُضاف فوق الصورة الأصلية في الفوتوشوب وتغيير طريقة الدمج (Blend Mode) إلى «الطرح» (Subtract). في الحقيقة، هذه هي الطريقة التي يعمل بها خيار تقليل الضوضاء في بعض كاميرات الكانون (أو غيرها) – Noise Reduction؛ حيث تقوم الكاميرا بالتقاط صورة أخرى بعد الصورة الأصلية مع غلق الغالق وتعمل على طرح هذه الصورة من الصورة الملتقطة مسبقا عن طريق حاسوب الكاميرا. من سوالب هذه الخاصية عند استخدامها هو إنها تتطلب ضعف الوقت المستغرق للتعريض؛ أي لو كانت تستغرق الصورة 5 دقائق، فإن الوقت الكلي سيكون 10 دقائق – 5 دقائق للصورة، و5 دقائق للشريحة المظلمة. وجدير بالذكر بأن برنامج «راوثيراپي» مزود بخيار خاص لعمل الشريحة المظلمة. أنا شخصيا لا أحبذ هذه الطريقة (طريقة تقليل الضوضاء في الكاميرا) لأنها تستهلك المزيد من قوة البطارية، علاوة على ضرورة البقاء في الموقع لأكثر من اللازم أو التباطؤ في العمل إذا كان المخطط هو التقاط أكثر من صورة في تلك اللحظة. كذلك، فإن الصورة الملتقطة لا تُحفظ في الذاكرة إلا بعد إتمام عملية طرح الشريحة المظلمة؛ فلو أن أي مشكلة تقنية تحدث في لحظة من اللحظات فقد تضيع هذه الصورة. ولهذا فأنا لا أعول كثيرا على هذه الطريقة وأفضل المعالجة بالطرق الأخرى المذكورة سابقاً.

الخاتمة

إن هذا المقال بسيط جدا مقارنة بالكم الهائل من المعلومات المتوفرة في الكتب، لكن من المفترض أن يكون هذا المقال موجها للمبتدئين خصوصا ومبني على بعض تجاربي الخاصة. في الشتاء خاصة، يحلو هذا النوع من التصوير مع سكون الليل. ولكن هذا لا يعني إن هذا التصوير ليس معني بحياة المدينة الصاخبة كذلك! على كلٍّ، فهذا الأمر يعود إلى الذوق الشخصي للمصور نفسه. كنت أود أن أشرح بعض الأمور المتعلقة بهذا النوع من التصوير والتي لها علاقة بعمق الميدان ولكنني قررت تأجيل هذا الموضوع وإدراجه في مقالة خاصة عن عمق الميدان إن أمكن ذلك مستقبلا إن شاء الله. نراكم في الأسبوع القادم…